تقارير اعلامية

في حب اللغة العربية.. “اكتب صح” فكرة ولدت لتبقى (تقرير)

اللغة العربية أو لغة الضاد اختارها الله وجعلها لغة القرآن الكريم، كما ورد في قوله تعالى “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ”، وعبر عنها أمير الشعراء أحمد شوقي في أحد أبياته، عندما قال: “إن الذي ملأ اللغات محاسنًا، جعل الجمال وسره في الضاد”. يكمن جمالها في سهولة معانيها وتعابيرها الدقيقة ومفرداتها القوية.

وتصنف اللغة العربية بأنها واحدة من أكثر اللغات انتشارًا في العالم، بحسب الأمم المتحدة، ويتحدث بها أكثر من 422 مليون نسمة داخل أرجاء الوطن العربي.

في اليوم العالمي للغة العربية، والذي يوافق 18 ديسمبر من كل عام، وهو اليوم الذي أصدرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة (اليونسكو) قرارها رقم 3190 في ديسمبر عام 1973، الذي أقرت بموجبه إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل في الأمم المتحدة، يسلط المرصد المصري للصحافة والإعلام الضوء على مبادرة “اكتب صح” باعتبارها واحدة من المبادرات الفعالة التى أولت اهتمامًا كبيرًا بالحفاظ على اللغة العربية، وتبسيط قواعدها لكل فئات المجتمع، بما في ذلك الصحفيين والإعلاميين، الذين استهدفتهم المبادرة في بداياتها، لمساعدتهم على تلافي الأخطاء الإملائية والنحوية والأسلوبية، والكتابة بلغة سليمة ودقيقة خالية من العيوب.

وفي حديثه مع “المرصد”، يقول حسام مصطفى إبراهيم، الصحفي ومؤسس” اكتب صح”: تأسست المبادرة في 12 نوفمبر 2013، كصفحة على موقع الفيسبوك، كان الغرض منها في البداية رفع المستوى اللغوي لدى الصحفيين تحديدًا، باعتبار أنني عملت معهم رئيسًا للديسك المركزي في أكثر من مؤسسة صحفية طيلة 19 عاما، فيما بعد توسعت المبادرة في أهدافها وشملت جميع الفئات، ممن هم في حاجة إلى إتقان اللغة، بما في ذلك نطقها وكتابتها بشكل مفهوم وواضح.

ثم جاء إطلاق الموقع في 12 نوفمبر 2015، بعد أن وجدت تفاعلًا على الصفحة بين رواد السوشيال ميديا لسهولة التواصل مع جميع الأفراد، وبعده بعامين ظهرت القناة على اليوتيوب، مشيرًا إلى أنه يقوم بإدارة المبادرة فقط بالجهود الذاتية.

اختيار اسم اكتب صح، لم يأتِ من فراغ بحسب ما ذكره” حسام” فهو سهل وبسيط ومعبر عن مضمون هذه المبادرة، وهو الدعوة إلى الكتابة بشكل سليم، والاهتمام بأمور الإملاء وخلافه، وعن ذلك يقول: لم أرد أن أجعل الاسم بالفصحي، فالناس بطبيعتها لا تحب اللغة العربية، لهذا لم يكن منطقيًا أن أضع أمامهم كلمة معقدة، تزيدهم نفورًا من الأمر، كان الغرض أن أحدث انتشار سريع للمبادرة، وفي نفس الوقت تكون الكلمة معبرة تمامًا عن مضمونها والغرض منها.

وعن العقبات والتحديات التي واجهها عند شروعه البدء في مبادرته، ذكر أن الصورة الذهنية السيئة عند الناس عن اللغة العربية كانت المعضلة الأكبر أمامه، فمعظمهم “متعقد منها”، ولتغيير هذه الصورة تطلب الأمر منه مجهودًا كبيرًا لإقناعهم أن ذلك ما هو إلا أوهام، موضحًا أن الأمر نتاج سنوات من الفهم الخاطئ وتصرفات بعض المعلمين الذين لا يفقهون شيئًا عن اللغة وأسس تدريسها للطلاب في المدارس، فضلًا عن ما واجهه من صعوبة إقناعهم بأهمية ووظيفية اللغة خاصة أنها لا تدر عائد مادي، يقول حسام: مع الأسف تم تفريغ اللغة العربية من جدواها الاقتصادية، الناس أصبحت تسأل: هنعمل إيه بتعليمها؟، وهذا يتطلب ضرورة أن نفهمهم أن اللغة مرتبطة بالهُوية، من خلالها يستطيعون إدراك وضعهم في المجتمع والعالم بأكمله، كما أنها تجعلهم قادرين على فهم النص القرآني والخطاب الديني وذلك يحمي عقولهم من الاستهواء، وتساعدهم في الاطلاع على تراث الأجداد والتاريخ القديم ليكونوا امتدادًا لهم، بخلاف ذلك فإن اللغة مفيدة في قطاعات العمل المختلفة.

وفي نفس السياق، يشير إلى أن عامل الوقت ربما يشكل صعوبة أمام الكثيرين في عزوفهم عن تعلم اللغة، لانشغالهم الدائم بأعمالهم على مدار اليوم، واللغة نفسها تحتاج إلى وقت لإتقانها ومثابرة واستيعاب وممارسة مستمرة لها، وهذا قد لا يكون متوافرًا عند الجيل الجديد.

وبنبرة لا تخلو من الرضا بما حققه، يسترجع “حسام” خلال حديثه مع “المرصد” الجهود التي بذلها من أجل مبادرته، وعنها يقول: لا أملك فريق عمل، فأنا أعمل فيها بمفردي، عندما عقدت العزم على إطلاق القناة على اليوتيوب، اقتصدت حتى تمكنت من شراء كاميرا احترافية لتصوير الفيديوهات، حرصت على تعلم المونتاج، أجاهد من أجل أن أصنع منتج جيد يستفيد منه الناس في حدود الإمكانيات المتاحة لديَّ، طوال الوقت أحاول تطوير نفسي لتحسين مستوى المحتوى الذي أقدمه.

ونفى من جانبه حدوث أي تواصل مع مؤسسات أو منظمات لدعم المبادرة خلال الفترة الماضية.

لشغفه باللغة العربية، أبدى مؤسس” اكتب صح” والتي تتخذ من “العربي ببساطة” شعارًا لها، منذ فترة استعداده التام في تصويب الأخطاء الإملائية الواردة في الرسائل القصيرة التي ترسلها شركات المحمول لعملائها، وفي اللوحات الإعلانية بالشوارع، ولافتات محطات المترو ـ بشكل تطوعي ـ لكنه لم يتلق استجابة، موضحًا أن ذلك الأمر إذا أخذ بعين الاعتبار من جانب المسئولين في هذه الشركات من الممكن أن يكون مصدر من مصادر الدعايا والإعلان لهم، يكفي أنهم بذلك قد يكونوا رعاة للغة العربية.

كما طالب المسؤولين بسن تشريع يجرم الأخطاء اللغوية في الاستخدامات العامة، مثل الأردن التى قامت بوضع قانون منح بموجبه الضبطية القضائية للمجمع اللغوي في رصد تلك الأخطاء وإرغام أصحابها على تعديلها، ومن لم يستجب تفرض عليه العقوبات المقررة.

لم يكن”حسام” أول المطالبين بذلك، حيث سبقه د. كمال بشر وهو واحد من كبار أساتذة اللغة العربية، الذي طالب بسن قانون يجرم الأخطاء الواردة في اللافتات العامة بالشوارع، وكانت حجته أن هناك مادة في الدستور تنص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، وبالتالي من يخالف اللغة فإنه يخالف الدستور.

من وجهة نظر مؤسس اكتب صح، فإن ما يميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات الأخرى هو أن جمالها وقوتها نابعين من قدرتها على التعبير عن أي معنى يخطر في البال، وليس فقط المعنى في حد ذاته، ولكن درجات وأطياف من هذا المعنى، وهذا يعطي حرية أكثر في التعبير، يدلل على ذلك بمثال: “الحسام” تطلق على السيف القاطع، أما “المُهَنَّدُ:” تطلق على السيف المصنوع من حديد الهِنْدِ.

واللغة أيضًا بها تناسق ومزيكا داخلية تتحقق باتساق المعاني وتساوي الكلمات والمفردات، وعنها يقول: دائمًا أعتبر أن اللغة هي أصابع بيانو أعزف عليها حتى أصل للحن المضبوط الذي أعبر من خلاله عن مشاعري، كما أن قواعدها النحوية ليست صعبة كما يراها البعض، وهذا يتطلب دراستها دراسة جيدة وبشكل علمي وواقعي، فضلًا عن ذلك فهناك التراث الضخم الموجود في اللغة العربية سواء كتب دينية أو شعر أو نثر.

وعن انتقاد بعض المؤسسات الصحفية للمبادرة في تصيدها للأخطاء اللغوية الواردة في أخبارها المنشورة بما يعد تشهيرًا بها، يعلق حسام قائلًا: كيف أصوب الخطأ؟ هل أهمس به لنفسي؟ كيف نصحح الخطأ إن لم نعلنه، وبطبيعة الحال أنا لا أعرف جميع الصحفيين ولا المؤسسات الموجودة، فالغرض من المبادرة في الأساس ليس أن يستفيد صحفي واحد، لكن الأمر يستهدف برمته جميع الصحفيين لمنع تكرار مثل هذه الأخطاء، وفي سبيل ذلك أتعمد ألا أضع اسم الصحفي في الأخطاء التي أصوبها، حماية لخصوصيته، لكن بالطبع يكون البديل عن ذلك اسم المؤسسة، وبالفعل هناك مؤسسات صحفية معروفة استجابتْ للأمر، والتزمت بتصحيح أخطائها في الأخبار التى تنشرها، ويكفي أننا نجحنا في لفت الانتباه إزاء تلك المشكلة.

مشيرًا في ذات الوقت إلى أن هناك عدد من القائمين على المواقع الإخبارية يتنصلون من مسؤوليتهم عن الاهتمام بالنص، فمنذ 10 سنوات أو أكثر كان هناك مدقق لغوي ومحرر ديسك، تغير الوضع الآن وأصبح هناك شخص واحد يتولى الأمر، مما فتح الباب لارتكاب مزيد من الأخطاء، ومع الأسف فإن معظم محرري الديسك إن لم يكن أغلبهم غير مجيدين للغة العربية، والصحفي بما إن مهنته الكتابة، عليه بتطوير لغته وفهمها.

استأنف حسام نشاطه خلال هذه الأيام على صفحة المبادرة بنشر سلسلة دروس في الصياغة وكتابة المحتوى بشكل مكتوب وليس مصور، فالفيديوهات كما يقول مرهقة وتحتاج إلى تصوير وإضاءة ومونتاج، والوقت لا يسعفه في إنجاز ذلك.

وعن أبرز الأخطاء المتكررة التي رصدها في المواقع الإخبارية، يقول: دائمًا أخطاء الهمزة في أول ووسط وآخر الكلمة، رغم أن قواعدها بسيطة، أيضًا الخلط بين الهاء المفتوحة والتاء المربوطة، والخلط بين الألف المقصورة والياء هذا فيما يخص الإملاء، أما في النحو فهناك مشكلتين الأولى تخص المفعول به والثانية جر الاسم بعد حرف الجر.

كان حسام قد ابتكر نشرة تصويب الأخطاء لمساعدة الصحفيين في التعرف على أخطائهم الإملائية والنحوية ومعالجة مشاكل الصياغة، والتي توقفت هذه الفترة لضيق الوقت لديه.

يستنكر مؤسس “اكتب صح” ما يردده البعض من أن هناك أولويات لأمور حياتية أهم من الاهتمام باللغة العربية وتعلمها، حيث يرى أن ذلك تقليل من شأنها، وينم عن جهلهم الشديد بها، وما قد يزيد الأمر سوءًا أن هناك أولياء أمور يلحقون أبنائهم بمدارس خاصة لا تهتم بتدريس اللغة العربية، مما ينذر بكارثة مستقبلية، لأن هذه المدارس قد تضع مناهج بالعربية مليئة بالأخطاء دون إشراف يذكر، وعندما يكبر هؤلاء الطلاب ويصلوا إلى مناصب هامة في الدولة فكيف إذًا سيخدمون شعبًا لا يعرفون لغته ولا تراثه ولا ثقافته، مشيرًا إلى أن الانفصال عن اللغة هو انفصال عن التاريخ و الجُغرافيا والهوية أيضًا، وفهم تراثنا وحقيقتنا لا يكون سوى من خلال اللغة العربية، وهي وسيلة أساسية لبعض فئات المجتمع لا غنى عنها، فلا يصح أن يقوم أحد بالتسفيه منها.

ولإعادة اللغة العربية إلى مكانتها، يستلزم ذلك أن يكون هناك مدقق لغوي في جميع المؤسسات الحكومية، وأن تعقد المؤسسات الصحفية اختبارات لصحفييها قبل قبولهم في العمل لديها، وهذا يتطلب اهتمامًا من الدولة بالأمر، يقول “حسام”: أحلم باليوم الذي يعلن فيه الرئيس السيسي تخصيص عام للغة العربية، نحن تغربنا عن لغتنا وهي في حاجة إلى أن نعيد إليها رونقها، مشيرًا إلى أن عدم إتقان اللغة يقل من الشخص نفسه خاصة إذا كان شخصية معروفة في المجتمع.

أما عن الوسائل التي تتبعها المبادرة في تحقيق أهدافها، يوضح مؤسس “اكتب صح” خلال حديثه مع “المرصد”: هناك المنشورات على صفحة المبادرة بالفيسبوك، والفيديوهات المتاحة على اليوتيوب، والمقالات المنشورة على الموقع، بخلاف ذلك فهناك الورش التدريبية التي يجرى عقدها سواء بث مباشر على الصفحة أو من خلال برنامج زووم، وقبل كورونا أقمت العديد منها في معظم الجامعات المصرية، فضلًا عن تقديم النصائح لبعض الأصدقاء من خلال التليفون.

وقد شهد الموقع في الفترة الأخيرة تطورًا ملحوظًا من خلال إضافة أقسام جديدة تساعد على تبسيط المعرفة أمام زواره، وعن ذلك يقول: بعد إعادة إطلاق الموقع أحاول خلق جدوى اقتصادية للغة العربية من خلال توظيفها في كتابة المحتوى، والذي يعتبر أحد تجليات اللغة، حيث دمجت بين تعليم اللغة كنحو وصرف وبين تعليم كتابة المحتوى، واستعنت في ذلك بمجموعة من الأصدقاء المهتمين الذين كتبوا عدد من المقالات عنها، كما أضفت قسم الأدوات اللغوية، وصدر عنه عدد من الموسوعات مثل: الأسماء الممنوعة من الصرف، الأسماء المنقوصة، والأفعال المتعدية بحرف جر، والمذكر والمؤنث، وقريبًا سيكون هناك أداة خاصة بكتابة تمييز العدد بالحروف، إلى جانب ذلك هناك المصحح اللغوي والذي استعنت في تطويره بمتخصص، بعد أن قمت ببرمجة النسخة الأولى منه، باعتبار أنني درست البرمجة ولدي تصور عن كيفية تنفيذها، ومع ذلك فالأمر يتطلب إمكانيات ليست متاحة حاليًا، والدراسات البرمجية في اللغة العربية معقدة جدًا.

وعن تطلعاته الفترة القادمة للمبادرة، يقول حسام: أتمنى أن يكون هناك دعمًا مجتمعيًا ومؤسسات تهتم بالمبادرة، “نفسي تنتشر أكتر من كده”، مشيرًا إلى أن التفاعل حتى الآن جيد مقارنة بالجهد المبذول، حيث وصل عدد المتابعين على الصفحة 125 ألف متابع، والقناة 35 ألف، والموقع يصل عدد زواره شهريًا إلى 30 ألف.

ورغم محدودية الموارد، يعتبر مؤسس اكتب صح أن المبادرة في حد ذاتها مشروع كبير يتطلب فريق وإدارة دائمين وهذا غير متاح، مؤكدًا على ثقته أن الأمر في النهاية سيثمر عن شيء محترم يليق بعظمة وجمال اللغة العربية.

في مطلع أغسطس العام الجاري، ظهرت أولى المقالات المنشورة عن الكاتب عمر طاهر، تلاه ما يزيد عن 30 مقال أيضًا عنه، نُشرت جميعها على موقع “اكتب صح” ضمن مبادرة الغرض منها تكريم الكتاب والمثقفين وهم على قيد الحياة، وقد تولت دار تويا للنشر تحويل الملف المنشور عن عمر طاهر إلى كتاب إلكتروني، وعن هذا الملف يقول مؤسس اكتب صح: أعجب عمر وأحدث صدى واسع بعد أن تناولته عدد من البرامج التليفزيونية، موضحًا أن سبب اختيار عمر يرجع لكونه هو كاتب الشباب الأول في هذه الفترة، وهو إنسان يحبه شخصيًا، “كنت حابب أقوله شكرًا يا عمر بطريقة الكتاب والصحفيين”.

ومن المنتظر أن هناك ملف آخر  يجري العمل عليه حاليًا، عن الكاتب بهاء طاهر، سيرى النور قريبًا. حصلت مبادرة “اكتب صح” على جائزة منتدى الإسكندرية للإعلام، عام 2017 ، كأفضل فكرة مبتكرة، وفي العام التالي ترشحت ضمن القائمة النهائية لجائزة محمد بن راشد للغة العربية.

يحلم حسام مصطفى إبراهيم أن يفهم الناس اللغة العربية، ويأخذوا خطوات عملية فيها حتى يحسنوا من مستواهم اللغوي، وتهتم المؤسسات المعنية باللغة وتعمل على نشرها بشكل صحيح، وتتغير المناهج حتى تكون قادرة على استيعاب جمال اللغة.

وفي اليوم العالمي للغة العربية؛ يتمنى مؤسس مبادرة “اكتب صح” أن يستمر الاهتمام باللغة العربية على مدار العام وليس في يوم بعينه.. وعن نصيحته للصحفيين، يقول: اقرأوا، فالقراءة هي خير معلم”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق