صحفيون خلف القضبان

سولافة مجدي.. جائزة “الشجاعة” تبحث عن صاحبتها خلف الأسوار (بروفايل)

في تمام الساعة السابعة مساء يوم 26 نوفمبر 2019، كانت سولافة مجدي وزوجها حسام الصياد يتأهبان لمغادرة مقهى بالدقي، بعد جلسة قصيرة جمعتهما بعدد من أصدقائهما المقربين، قبل أن تلقي قوة أمنية بالزى المدني القبض عليهما وتقتادهما إلى قسم شرطة الدقي، ويتم ترحيل سولافة وزوجها في اليوم التالي إلى أحد مقرات الأمن الوطني، ليختفيا بعدها عن الأنظار لمدة 18 ساعة، إلى أن يظهرا في نيابة أمن الدولة العليا، والتي قررت حبسهما 15 يومًا على ذمة التحقيقات في القضية رقم 488 لسنة 2019 حصر أمن الدولة، بتهم مشاركة جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، ونشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة.

في هذه الأثناء كانت “تغريد زهران”، والدة سولافة، تحاول جاهدة الاطمئنان عليها، فيما استنكرت ما تتعرض له ابنتها وزوجها، خاصة أنهما ليس لديهما أي انتماءات سياسية أو حزبية، وفقًا لحديثها مع المرصد المصري للصحافة والإعلام: “بحكم عملها الصحفي؛ كانت سولافة متقاطعة مع كل دوائر العمل السياسي المصري من أحزاب وحركات ضغط وسياسيين، لكن لم يكن لديها انتماء حزبي إطلاقًا”.

وُلدت سولافة مجدي؛ بالأردن، في٣١ يناير عام ١٩٨٧، لأب مصري وأم فلسطينية، ثم انتقلت مع أسرتها للعيش في القاهرة، وعمرها آنذاك لم يتخطَ الرابعة.

عملها الصحفي

حصلت سولافة على ليسانس الحقوق من جامعة عين شمس عام 2010. وقبل تخرجها بعام كانت قد التحقت بالعمل تحت التمرين في صحيفة الأهرام العربي، ثم الأسبوع، والنبأ.

وفي عام 2011، انتقلت إلى العمل كمراسلة أخبار في وكالة فيديو كايرو، وطيلة عامين تنقلت سولافة بين عدد من القنوات المصرية، من بينها: الحياة، وصدى البلد، ونتيجة تغير توجه هذه القنوات، قررت من تلقاء نفسها إنهاء تعاملها معهم.

كان حلمها في أن تصبح مراسلة، هو الدافع الذي يحركها نحو طرق جميع الأبواب، غير عابئة بما تستقبله من ردود معظمها مخيب للآمال، حتى جاءتها الفرصة في قناة “الشرقية” العراقية، كمراسلة لها من القاهرة، بعدها اتجهت إلى العمل الحر “فري لانس” مع عدد من المؤسسات الصحفية المعروفة، مثل: بي بي سي، ودويتش فيليه، وتي آر تي.

مع نهاية عام 2013، بدأت سولافة في دراسة صحافة الموبايل Mojo، واستخدامها في إعداد تقاريرها، وعن ذلك تقول والدتها في حديثها مع المرصد: “لأن سولافة شاطرة وعينيها دايمًا على المستقبل قررت إنها مش المفروض تكتفي بأنها مراسلة فقط، لكن كانت شايفة إن المستقبل للصحافة الجديدة وبدأت تتعلم تكون one woman crew، اتعلمت من زوجها حسام إزاي تنفذ قصصها المصورة باستخدام أبسط الإمكانيات.. وده كان بداية مشوارها مع Mojo”.

ولشغفها بالتصوير، شاركت سولافة مع زوجها المصور الصحفي حسام الصياد منتصف عام 2018، في إنشاء مدرستهم everyday footage، لتعليم صحافة الموبايل للطلاب حديثي التخرج و الصحفيات والصحفيين والمهتمين بالتوثيق بشكل عام، وتخرج من هذه المدرسة دفعتين من الشباب المؤثرين حاليًا في الوسط الصحفي.

وتستكمل والدة سولافة: “كان لديها شغف رهيب بالتصوير، سولافة تُعتبر مخزن ذكريات لكل من يعرفها، أبسط التفاصيل في حياتها كانت تحب أن توثقها وتحتفظ بها”.

عملت سولافة مع عدد من المواقع والصحف الإخبارية: من بينها: البداية، ومدى مصر، والرؤية الإماراتية.

وفي عام 2019، تم اختيارها لزمالة “رهام ألفرا” لتكون الصحفية العربية الوحيدة بين 15 صحفيًا حول العالم تم اختيارهم لتغطية اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

اهتمت سولافة خلال مسيرتها المهنية بتغطية عدد من قضايا حقوق الإنسان والحريات، مثل حقوق النساء والأقليات والهجرة غير الشرعية واللاجئين والتحرش الجنسي وغيرها.

وفي 30 أبريل 2020، أدرجت صحيفة “واشنطن بوست” المصورة الصحفية سولافة مجدي، ضمن حملة إعلانية لدعم الصحفيين العالميين قيد الاحتجاز حول العالم. ووضعت مبادرة الصحيفة لحماية حرية الصحافة؛ اسم سولافة ضمن 8 صحفيين لتسلط عليهم الضوء كواحدة من قضايا الصحفيين الحرجة، قبيل اليوم العالمي لحرية الصحافة.

أحلام مؤجلة

وعن أحلامها وأمنياتها، تخبرنا والدتها: “عندها حلمين؛ الأول إنها تكون مراسلة صحفية في الأمم المتحدة، والثاني تكمل مشروع حياتها التطوعي الذي بدأته مع حسام”.

اهتماماتها

وصفت تغريد زهران ابنتها سولافة بأنها “عملية جدًا”، تهتم بأمور منزلها، إلى جانب عملها.

كانت سولافة حريصة على مشاهدة الأفلام القديمة (الأبيض والأسود)، وأكثر ما كان يستهويها هي موضة الخمسينيات والستينيات في الملابس وقصات الشعر، وتهوى التحف والأنتيكات القديمة، وترغب دومًا في اقتناءها. تتذكر والدة سولافة أن أكثر الهدايا التى فرحت بها ابنتها كان “جرامافون”، أهداه لها زوجها حسام بمناسبة عيد ميلادها الـ32.

كورونا

انقطعت أخبار سولافة مجدي بعد قرار وزارة الداخلية في مارس الماضي بمنع الزيارات عن السجون ضمن الإجراءات الاحترازية لمواجهة فيروس كورونا، وتوقف العمل بالمحاكم، فيما تم تجاهل كل طلبات ونداءات الإفراج عن المحبوسين احتياطيًا وسجناء الرأي وكبار السن التي أطلقتها عدد من الأحزاب والمنظمات والنشطاء لتخفيف التكدس في السجون ومنع انتشار الفيروس داخله، وهو الأمر الذي أثر سلبًا على الحالة النفسية لسولافة وعائلتها التي لم تتمكن من زيارتها طيلة 5 أشهر.

هذا الأمر دفع والدة سولافة إلى التقدم بـ5 بلاغات للنائب العام ـ منذ فترة منع الزيارات ـ تشكو فيها من رفض إدارة السجن الزيارات التي تحضرها إلى ابنتها، حيث تم منع 3 زيارات منها دون إبداء أسباب، فضلًا عن حرمانها من حقها القانوني في التواصل مع أسرتها طوال هذه الفترة، وفقًا لحديثها مع موقع درب.

ولفتت إلى أنها حاولت التواصل مع عدد من أهالي السجينات المحبوسات معها لطمأنتها عليها، إلا أنهن أيضًا خائفات من أي تعنت قد يقع ضدهن أو ضد بناتهن حال إخبارها بأي معلومة، حتى وإن كانت عن أوضاعها الصحية.

وتابعت: “الوضع اللي بنعيشه مفيش بشر يتحمله، أنا مش طالبة أكتر من أنهم يطمنوني على بنتي، أو يبلغوني رسالة منها تقول لي يا ماما أنا كويسة، ليه مستكترين علينا حاجة زي كده، وإيه الضرر اللي هيعود عليهم في أني أتطمن عليها وأطمن أختها وابنها الصغير، اللي كل شوية بيسألني هي ماما هترجع من السفر إمتى وبطلت تبعت لي رسايل ليه”.

واستطردت: “عايشين 24 ساعة في قهر وظلم واحنا شايفين ولادنا كأنهم عدد اترموا جوة السجون من غير ما حد يسأل فيهم، كل الناس قلوب أهاليها محروق زي ما أنا محروقة، احنا بقينا عايشين بالاسم بس، أنا بتحرك على رجليا بالعافية علشان خاطر ابنها، وبخاف أبص في عينيه وهو بيسألني عنها وأنا مش لاقية رد”.

وفي 30 أغسطس 2020، استطاعت تغريد زهران، والدة سولافة، رؤية ابنتها والاطمئنان عليها، بعد السماح بالزيارات مجددًا، وعن ذلك قالت في منشور عبر الفيسبوك: “بعد غياب 172 يوم قدرت النهاردة آخد سولافه في حضني لمدة 20 دقيقة”.

هي و”الصياد”

رغم قرار حبسهما في قضية واحدة، إلا أن سولافة لم تتمكن من رؤية زوجها حسام منذ إلقاء القبض عليهما في نوفمبر العام الماضي

وبمناسبة عيد الحب، نشرت صفحة “الحرية لسولافة وحسام”، في فبراير 2020، رسالة من سولافة مجدي من محبسها، إلى زوجها المصور حسام الصياد، استنكرت فيها عدم السماح لها برؤية زوجها منذ تاريخ القبض عليهما آنذاك. وتساءلت سولافة:” ما الخطر الذي يمثله لقائي بزوجي في النيابة لدقائق معدودة؟”.

بدأ أول تعارف بين سولافة وزوجها قبل ١١ عامًا، إلى أن قررا الزواج في 2 أكتوبر عام 2012.

وصفت تغريد زهران علاقة ابنتها بزوجها قائلة: “من أجمل قصص الحب والكفاح التي قد يقابلها أحد، مثال حي بيحكي عن 2 كملوا بعض وبنوا حياتهم من الصفر وقدروا ينجحوا وسط ظروف ضاغطة وبيئة عمل صعبة”، معتبرة أن ابنتها امرأة ناجحة في عملها “وست بيت” شاطرة، وخير معين لزوجها في كل الظروف التى مر بها.

تتذكر موقف كان دائمًا ما يحكيه حسام عن زوجته سولافة: “تعرض حسام لوعكة صحية اضطرته إلى الجلوس في المنزل لمدة ٣ أشهر دون حركة، وخلال هذه الفترة كان من الممكن أن يفقد عمله لولا وجود سولافة بجانبه، في وقت قياسي تعلمت قيادة السيارة والتصوير، يوميًا كانت تخرج من المنزل تقوم بعملها إلى جانب العمل الخاص بزوجها، وتعود آخر اليوم تستكمل أعمالها المنزلية وتراعي زوجها وابنها خالد”.

وتستكمل: “دائما كان حسام يناديها بـ “سوبر سولافة”، لأن عندها القدرة على تحمل ضغوط رهيبة بنفس راضية تمامًا وكانت تعمل كل ده بحب”.

وعن حفيدها خالد: “هو التاج الذي كلل هذه العلاقة الجميلة، ابن حقيقي لتجربة سولافة وحسام شبههم ووارث منهم جمال روحهم وعنادهم وكل حاجة فيهم”، مشيرة إلى أن شكل العلاقة بينهم هم الثلاثة كان أشبه بـ”3 أصحاب”، حاليًا خالد يفتقد وجودهم، لأنهم بالنسبة له أكثر من أب وأم.

ابنها

في الرابع من أغسطس عام 2013، رزقت سولافة مجدي وزوجها حسام الصياد بطفلهما الوحيد “خالد”، أو كما ينادونه بـ”لولو”، الذي تأثر بغيابهما منذ لحظة القبض عليهما، ومع استمرار حبسهما، كان يلح “الصغير” بسؤاله عنهما وعن عدم عودتهما من السفر خارج مصر حتى الآن، مثلما أخبرته جدته، خوفًا على نفسيته في هذا السن الصغير.

وفي فيديو بثته على فيسبوك، ظهر “خالد” نجل ابنتها سولافة مجدي، في رسالة نقلتها عنه وهو يتساءل عنهما،: قائلًا: “هما ليه لغاية دلوقتى مسافرين، إيه الشغلانة دي اللي تخليهم يغيبوا كده، طيب هي كورونا مش خلصت”.

وأضاف: “أنا بكّره أمريكا دي اللي بيشتغلوا فيها يا تيته، دي أسوأ بلد في العالم، علشان هما لغاية دلوقتى ما رجعوش منها، أسوأ حاجة بالنسبالي شغلهم، ابعتيلهم جواب قوليلهم يسيبوا الشغل ده ويرجعوا، هو مين الغبي اللي قالهم يشتغلوا الشغلانة دي، خليهم يرجعوا وأنا هلاقي حل لشغلهم ده، وهقولهم على كذا شغلانة ما فيهاش سفر”.

وتابع خالد في الرسالة التي نقلتها تغريد: “أنا خلصت سنة أولى ولسه مرجعوش، وأنا عايزهم معايا وأنا رايح سنة تانية، قوليلهم يرجعوا بقى، قوليلهم أنا عايزهم يساعدوني في كل حاجة”.

من جانبها، قالت تغريد زهران والدة الصحفية سولافة مجدي، في منشور على فيسبوك: خالد نجل حسام وسولافة تم ٧ سنوات وأبوه وأمه مش معاه لأول مره من وقت ما تولد”، لافتة إلى أنهم: “كانوا كل سنه يجهزوا لليوم ده ويعملوا لخالد مفاجآت”.

وأضافت: “كانوا بيرسمون له مستقبل عظيم، وخالد كان حاسس بالأمان وهو معاهم”، مشيرة إلى أنه: “دلوقتي على طول خايف علشان هما مش جنبه، ونفسه أمه وأبوه يبقوا جنبه وهو رايح سنه تانية، ونفسه يكونوا معاه في اليوم ده”.

وتابعت: “بيسألني هو الطيران اشتغل يا تيته علشان يرجعوا قبل عيد ميلادي، وهما أكيد هيعملولي مفاجأة زي كل مره. معرفتش أقوله ايه بقيت طول الوقت مش عارفة أرد عليه”.

وواصلت: “كل مرة الكذبه بتكبر والهم بيكبر والخوف بيزيد لغاية إمتى هفضل أكذب عليه لغاية إمتى مش قادره أبص في عينيه وهو بيسأل عليهم”، وتساءلت: “أي عرف وأي قانون يقول إن طفل أبوه وأمه يبقوا بعاد عنه بالشكل ده؟”.

وأشارت إلى أنها تحاول أن تعوضه غيابهما: “بردوا هو مش مبسوط مش راضي إنهم مش موجودين، وبيقولي كل حاجه بقت مملة وما فيش حاجه حلوة زي لما ماما وبابا كانو معايا.. تخيلوا طفل في عمره يقول كده”.

حالتها النفسية والصحية

وعن وضع ابنتها داخل السجن، قالت والدة سولافة، خلال حديثها مع المرصد: “متماسكة وقوية، قالت لنا إنها مش هتيأس.. متأكدة إنها فترة وهتعدى، الغريب إنها دايمًا اللي بتطمنا وتقولنا متقلقوش”، مشيرة إلى أن أكثر ما يؤلمها هو بعدها عن ابنها وأنها لا تستطيع الاطمئنان على زوجها حسام، مؤكدة: “سولافة متماسكة، طول عمرها ست قوية تقدر تتخطى المِحن والأزمات”.

أما عن وضعها الصحى: “سولافة ليست في أفضل حال، من لحظة القبض عليها تعانى من نوبات ضيق تنفس وألم شديد فى الأعصاب والظهر، واستدعى ذلك نقلها أكثر من مرة إلى مستشفى السجن، حيث تخضع هناك إلى جلسات تنفس وأخذ الحقن المسكنة للآلام”.

جائزة

بعد 6 أشهر من حبسها، أعلنت المؤسسة الدولية النسائية للإعلام، International Women’s Media Foundation (IWMF)، في 20 مايو 2020 عن فوز المصورة الصحفية “سولافة مجدي” بجائزة الشجاعة الصحفية، لعام 2019

وفي تصريحات صحفية قالت سندس مجدي، شقيقة سولافة؛ إن خبر فوز شقيقتها بالجائزة من محبسها، هو “أسعد خبر وصل للأسرة منذ القبض على سولافة”، وأضافت أنها ووالدتها والأسرة “لا يتمنون إلا أن تخرج سولافة وتحتفل معهم بالجائزة”.

قضية جديدة

مر عام على حبس الصحفية سولافة مجدي وزوجها المصور الصحفي حسام الصياد، ولا يزال حبسهما مستمرًا.

وفي يوم الأحد الموافق 30 أغسطس 2020، حققت نيابة أمن الدولة العليا، سولافة، على ذمة قضية جديدة وهي القضية رقم ٨٥٥ لسنة 2020، ووجهت لها اتهامات بالانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار وبيانات كاذبة،و الاشتراك مع آخرين من داخل السجن لإجراء عمل جنائي.

وقررت حبسها ١٥ يومًا تبدأ بعد انتهاء حبسها الاحتياطي على ذمة القضية رقم ٤٨٨.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق