ذاكرة الصحافة

أنيس منصور.. مؤسس مجلة” أكتوبر” (بروفايل)

أديب بدرجة فيلسوف، وصحفي مثقف، له باع طويل من العطاء الصحفي المتميز عبر مشواره المهني الذي يزيد عن نصف قرن من الزمان، له بصماته الواضحة في تأسيس تجارب صحفية ناجحة، من بينها: مجلات “أكتوبر”،و” الكواكب”، وهو أحد رواد الأدب المعروفين، أثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات الأدبية القيمة، والتى ترجمت معظمها إلى لغات أجنبية، اشتهر بأسلوبه الفلسفي في الكتابة، إنه الكاتب الصحفي والفيلسوف أنيس منصور، والذي تحل اليوم ذكرى رحيله العاشرة، وبهذه المناسبة يقدم المرصد المصري للصحافة والإعلام لمحات من مشوار حياته الذي امتد  نحو 8 عقود، في السطور القادمة

نشأته

ولد أنيس منصور في 18 أغسطس عام 1924، في إحدى قرى محافظة الدقهلية، الواقعة في شرق دلتا النيل، حفظ القرآن في سن صغيرة، في كُتّاب القرية، كان يحب الشعر، وحفظ العديد من أبياته باللغتين العربية والأجنبية.

استكمل”منصور” دراسته الثانوية في مدينة المنصورة، حيث كان من أوائل الطلبة المتفوقين حينها على مستوى القطر المصري، اشتهر بالنباهة والذكاء منذ صغره.

وفي مطلع الأربعينات، انتقل إلى القاهرة، وهناك استكمل دراسته الجامعية، فالتحق بكلية الآداب جامعة القاهرة، واختار“ الفلسفة” مجالا لدراسته، وتتلمذ على يد د. عبدالرحمن بدوى.

عمله الصحفي

بعد تخرجه عام 1947، ونظرًا لحصوله على تقدير متميز، فقد عمل أنيس منصور لفترة أستاذًا في قسم الفلسفة بجامعة عين شمس، لكنه ما لبث أن ترك مجال التدريس، واتجه إلى الكتابة والعمل الصحفي، فكانت محطته الأولي داخل مؤسسة دار أخبار اليوم، قبل أن يقرر تركها في عام 1950، متجها إلى الأهرام، وهناك تزامل مع الكاتب الصحفي الكبير كامل الشناوى، واستمر فيها لمدة عامين، تنقل بعدها بين العديد من الصحف والمجلات المصرية، من بينها: آخر ساعة، والهلال.

كما شارك الكاتب الكبير” أنيس منصور” في تأسيس مجلة أكتوبر، فى ٣١ أكتوبر ١٩٧٦، بتكليف من الرئيس السادات، حيث تولى رئاسة تحريرها، إضافة إلى شغله منصب رئيس مجلس إدارة دار المعارف، وإصداره لمجلة الكواكب.

عُرف عن أنيس منصور اتباعه طقوسًا خاصة قبل شروعه في الكتابة، منها أنه كان يكتب بعد الفجر وهو يرتدي زي النوم وحافي القدمين، ولا يكتب في النهار اطلاقًا، وكان يعاني من قلة النوم والأرق الشديد، واشتهر عنه حرصه على صحته خوفا من اصابته بأى أعراض مرضية، حتى وإن وصل الأمر إلى الانفلونزا.

وقد تفرغ في أواخر حياته لكتابة المقال السياسي والاجتماعي المعروف، تحت عنوان “مواقف” في جريدة الأهرام، الذي دوما كان الأكثر قراءة، إلى جانب عموده اليومي في جريدة الشرق الأوسط.

مؤلفاته

سافر أنيس منصور إلى عدد من الدول العربية والأوربية على مستوى العالم، وساعده في ذلك إجادته لعدة لغات، منها: الإنجليزية والألمانية والإيطالية، والفرنسية واللاتينية، والروسية بجانب العربية، مما جعله يطلع على ثقافات عديدة.

ولاشك أن ماسبق هو ما جعله مؤهلا للكتابة في أدب الرحلات، حيث قام بتأليف كتب عن الرحلات التى قام بها، منها: حول العالم في 200 يوم، وبلاد الله لخلق الله، و غريب في بلاد غريبة، واليمن ذلك المجهول، وأنت في اليابان وبلاد أخرى، وأعجب الرحلات في التاريخ.
وفي فترة من الفترات كانت كتابات أنيس منصور في ما وراء الطبيعة هي الكتابات المنتشرة بين القراء والمثقفين، ومن أشهر كتبه في هذا المجال “الذين هبطوا من السماء”، و”الذين عادوا إلى السماء”، و”لعنة الفراعنة” و”أرواح وأشباح”.

كما ترك أنيس منصور عددا من المؤلفات التي تحولت لأعمال سينمائية ومسرحية وتلفزيونية ومن اشهرها مسرحية “حلمك يا شيخ علام”، و”من الذي لا يحب فاطمة” ، و”هي وغيرها”، و”عندي كلام”.

وفي مجالات متنوعة، كتب أنيس منصور نحو 90 كتابا في موضوعات شتى تراوحت بين الفلسفة والإجتماع والتاريخ والسياسة والمرأة.
وكان لأنيس منصور نشاط واسع في ميدان الترجمة، حيث ترجم إلى العربية العديد من الكتب والأعمال الأدبية، والتي بلغت نحو 9 مسرحيات و 5 روايات من لغات مختلفة، إلى جانب 12 كتاب لفلاسفة أوروبيين.

الجوائز

حصل الكاتب الكبير أنيس منصور على العديد من الجوائز الأدبية من مصر وخارجها، ومن أبرزها: الدكتوراه الفخرية من جامعة المنصورة وجائزة الفارس الذهبي من التلفزيون المصري على مدار أربع سنوات، وجائزة الدولة التشجيعية في الآداب من المجلس الاعلى للثقافة عام 1981، وجائزة الابداع الفكري لدول العالم الثالث عام 1981، وجائزة مبارك في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة عام 2001 .

كما مُنح الدكتوراه الفخرية من جامعة المنصورة، وفاز بلقب الشخصية الفكرية العربية الأولى، وحصل على لقب كاتب المقال اليومي لمدة 40 عامًا، بالاضافة إلى تمثاله الموجود حاليًا بمحافظة المنصورة.

المرأة

اشتهر الكاتب الكبير أنيس منصور بكونه” عدو المرأة الأول”، لكن على عكس المتوقع لم يكن عدو المرأة ـمثلما أشيع ـ تعيسًا في حياته الزوجية، فقد تزوج” منصور” من السيدة رجاء حجاج، و بعد اتفاق كلا الزوجين على عدم الانجاب لم ينجبا اولاد.

وعنه، قالت زوجته:” أنيس كان يعشق 3 أشياء، أنا والسفر والكتابة”، وقد أهداها أنيس منصور كتابه الموسوعي “في صالون العقاد كانت لنا أيام” وهو الكتاب الوحيد الذى كتب فيه إهداء، وجاء فيه: “إلى التي لولا تشجيعها ما كان السطر الأول فى هذا الكتاب، ولولا تقديرها ما اكتملت هذه الصفحات، امتنانًا عميقًا وحبًا أعمق: إلى زوجتي”.

ورغم حبهما الجارف الا أن الزوجين قررا عدم الإنجاب من أجل تخفيف وطأة الحياة الزوجية، ولكنه ارتبط عاطفيًا بابنتها منى رجب التي أصبح أكثر من أب لها، وساندها كثيرًا في بداية مشوارها الصحفي في جريدة الأهرام وأفاض عليها من خبرته كما أهداها قلمًا له معزة خاصة عنده.

ومن المواقف التي تعبر عن عاطفة الحب الحقيقية التي جرت بين الاثنين، أن” رجاء” تعرضت ذات يوم لجلطة مفاجئة، فسمعت منصور يبكي ويقول لابنتها أنه لا يستطيع فعل أي شىء في الحياة بدونها، وكانت تلك تقريبًا هى المرة الوحيدة التى بكى فيها عدو المرأة.

وعن التناقض بين أرض الواقع وخيال المؤلف، نقضت رجاء حجاج، أسطورة “عدو المرأة” الشهيرة التي لازمت الكاتب الشهير حتى وفاته، وقالت أنه كان زوجًا محبًا ومخلصًا ووفيًا، وأن التهمة ألصقت به فقط بسبب مقالاته الأسبوعية فى الأهرام، وقد غضبت منه مرة وطلبت منه أن يكف عن كتابة تلك المقالات حتى لا يظن الناس بها الظنون أو أن “العيب بها”، لكنه كان يخبرها أن هناك دائمًا فرق بين الواقع والخيال وكان يحب هذ اللقب جدًا.

وفي حقيقة الأمر لم يكن منصور عدوًا للمرأة على الإطلاق، بل كان دائم التشجيع لزوجته خاصة فى العمل الاجتماعي فى الجمعية التى كانت تتولى رئاستها “جمعية هدى شعراوي”.

وكشفت رجاء حجاج، في تصريحات صحفية عن أنها السبب الحقيقي وراء عدم ترك منصور لمؤسسة الأهرام ورفضه العرض المغري الذي قدمته جريدة المصري اليوم وقت أن كان رئيس تحريرها الكاتب الصحفى ياسر رزق.

أقواله

• لا أحد يستحق أن تتوجع أمامه .
• لا شيء يُربك السائق إلا أن يسير وراء إمرأة تقود سياراتها كما يجب .
• لا تُغلق الباب الذي بينك وبين الناس ، فقد تعود إليه .
• سعيد من يجد امرأة يحبها ، تعيس من يجدها ثم يتزوجها .
• الزفاف هو الجنازة التي تشم فيها رائحة الزهور بنفسك .

وفاته

رحل الكاتب الصحفي والأديب الكبير أنيس منصور عن عالمنا، صباح الجمعة في 21 أكتوبر 2011، عن عمر ناهز 87 عاما، بعد معاناته الشديدة مع المرض، وذلك بعد أن شهدت صحته خلال الأيام الأخيرة مضاعفات زادت من سوء حالته الصحية إثر إصابته بالتهاب رئوي وصفه الأطباء بالحاد، إضافة إلى شرخ بين فقرات الظهر مما ألزمه العناية المركزة بمستشفي الصفا، وشُيعت الجنازة من مسجد عمر مكرم، ودفن بمدافن الأسرة بمصر الجديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق