ذاكرة الصحافة

حوارـ ابنة سليمان الحكيم: أنيس منصور هو من حذر والدي من بطش السادات ونصحه بمغادرة مصر (2-3)

الحلقة الأولى من الحوار.. اضغط هنا

” السيرة أطول من العمر” حكمة قديمة، لكنها ربما قد تصف مسيرة حياة واحد من كبار الكتاب الصحفيين، الذين عرفتهم مصر خلال الأربعين عامًا الماضية، تفاعل مع أحداثها، وعاصر أنظمتها وتياراتها المختلفة بروح طواقة للحرية والكرامة والعدالة الإنسانية، كان ثائرًا في مواقفه، مؤمنًا بناصريته التي تمسك بها، لم يخشِ قول الحق، وفي سبيله دفع الثمن، ففي مرحلة من حياته أُجبر على ترك وطنه، هربًا من بطش السادات، كان مقاتلًا شرسًا إذا عارض، ورغم ملامحه الهادئة ووجه البشوش، لكنه لم يكن ذلك الشخص الذي يسهل ترويضه أو توجيهه نحو تبني موقفًا بعينه، إرضاءًا لأشخاص أو كيانات مهما بلغ مستوى نفوذها وسطوتها في المجتمع، كان” حكيمًا” إذا نطق، و”مبدعًا” حينما يكتب، و” إنسانًا” يساعد الغير دون تأفف، هو سليمان الحكيم أو” الحكيم” مثلما كان يناديه المقربون منه.

وسليمان الحكيم الذي توفي قبل عام وتحديدًا في 5 أكتوبر2019، ما زال يحيا بيننا بكلماته التى سطرها بقلمه الرشيق، وعبرت بصدق عن ما يعتريه من مواقف تجاه الأحداث التى عاشها وتفاعل معها كمحلل سياسي وناقد فني، يناقش ويدافع باستماتة عن آراءه التى دائمًا ما كانت محل لوم وانتقاد من البعض، لكنه أبدًا لم يرفع الراية البيضاء في أيًا من معاركه، لم يستسلم للظروف الصعبة التى مر بها خلال مشوار حياته، ظل ثابتًا على مواقفه حتى آخر أيامه.

وفي ذكرى رحيله الأولى، أجرى المرصد المصري للصحافة والإعلام حوارًا مع ابنته” إسراء الحكيم”، ننشره على 3 حلقات.

في الحلقة الثانية، تحكي ابنه سليمان الحكيم عن حياته الصحفية، وتكشف عن أسباب توقف جريدة الجيل، وطقوسه في الكتابة، وعلاقته بالكاتبين محمود السعدني وأنيس منصور، ورأيه في أغاني المهرجانات، وتخمن إلى أى مدي كان سيتناول أزمة فيروس كورونا” كوفيد ـ19″ في كتاباته، وتوضح مصدر دخله ـ الإضافي ـ بجانب الصحافة.

وإلى نص الحوار

  • كيف كان يسير يوم سليمان الحكيم؟

ـ عادة كان يستيقظ مبكرًا، يبدأ يومه من بعد صلاة الفجر، يفطر ويرتدي ملابسه ويذهب إلى عمله، استمر ذلك سنوات قبل خروجه على المعاش، الحكيم كان مدخن شره، لذلك كان يكتفي بتناول لقمة بسيطة مع كوب من الشاى والسيجارة، وينطلق للجورنال، كان حريص على الجلوس مع عامل البوفيه والدردشة معه ومشاركته احتساء الشاى في الصباح، ومع توافد الصحفيين يبدأ هو يقوم بعمله، ويكتب مقاله، يومه كان ينقسم ما بين العمل والمنزل، ومما أتذكره حرصه على الالتزام بموعد تناول وجبة الغداء معنا في المنزل ـ شئ مقدس عنده ـ كان يعود من عمله عند الساعة الثانية أو الثالثة ظهرًا، وبعد الغداء كان يأخذ قسطًا من الراحة (القيلولة)، وعندما يصحو من نومه كان إما أن يقرأ أو يشاهد التليفزيون، وفي المساء كان يذهب إلى نقابة الصحفيين، يجلس مع أصدقاءه وزملاءه هناك، ثم يعود إلى المنزل مجددًا، كان يحب النوم مبكرًا، ولا يفضل السهر إطلاقًا. في رأيي أعتبر أن الحكيم كان من الشخصيات القليلة الملتزمة بمواعيدها، وهذا الانضباط سِرت أنا عليه، تعلمت منه الالتزام بالمواعيد.

كان يحرص على قضاء عطلة الأسبوع في قريته” فنارة” بمركز فايد، محافظة الإسماعيلية، ففيها الأقارب والمعارف، ويحافظ على أداء صلاة الجمعة هناك، ويحب الجلوس مع الناس، يسمع مشاكلهم ويعِد بحلها، فكان محبوب من الكل، وهو على المستوى الإجتماعي كان شخص نشط ومتفاعل جدًا.

  • حدثينا عن شخصيته في العمل مع زملائه ومرؤوسيه؟

ـ كان شخصية نشيطة في عمله، دءوب، ومثابر، وطموح، ومبتكر، ومع الأسف لم يحصل على حقه كما ينبغي أن يكون، لانه كان صحفي معارض، وفي بلدنا المعارض ليس له دائمًا النصيب الأكبر من التألق والشهرة والمجد، ورغم قساوة الوضع لكن سيرته الطيبة وإرثه الثقافي والأدبي وما كتبه من مقالات سيظل باقي، والدي لم يكن يكتب بشكل آني، عن اللحظة الحالية فقط، لكنه كان يكتب للأجيال القادمة، مقالاته تُؤرخ، من خلالها قدم نبذة عن واقع عاشه، وأحداث عاصرها، ومواقف تبناها، أرشيفه الصحفي يخلد كل ذلك.

والدي كان يحتوى الكُتاب الشباب، في بداية حياتهم العملية، عندما كان رئيسًا لتحرير كتاب التعاون، الصادر عن مؤسسة دار التعاون للطبع والنشر، حرص على تبني مواهب شبابية كثيرة، وساعدهم على نشر أعمالهم، وقدمهم للساحة الثقافية والأدبية، وكذلك الحال عندما شغل منصب رئيس تحرير جريدة الجيل، ساعد عدد من شباب الصحفيين ممن يشغلون اليوم مواقع هامة داخل المؤسسات الصحفية، هم أسماء مشهورة الآن لكن بداياتهم كانت مع الحكيم داخل الجريدة التى حقق فيها خبطات صحفية قوية كان لها صدى واسع وقتها، قبل أن تتوقف عن الصدور.

  • ما أسباب توقف “الجيل” عن الصدور رغم نجاحها وانتشارها؟

ـ بكل أسف، هذا هو حال الصحافة في مصر” متقلبة”، المحاولات الخاصة لاصدار الصحف لم تكن قوية، لان تمويلها في الغالب ضعيف، ومعظمه من رجال الأعمال، والصحافة تحتاج إلى تمويل ودعم قوى حتى تنجح التجربة، و” الجيل” لم تلقِ الدعم الكافي حتى تستمر، فالخط السياسي الذي رسمه والدي للجيل كان مناهض لسياسات مبارك آنذاك، لهذا لم يتم دعمها بقوة، فتوقفت ولم يكتمل المشروع.

  • طقوس سليمان الحكيم في الكتابة، كيف كانت؟

ـ طقوسه كانت بسيطة، كان يكتفي فقط بكوب من القهوة أو الشاى، والسيجارة طبعا كانت شيء أساسي، ويجلس أمام الورق الدشت، وفي يده قلم حبر أسود، ويبدأ في الكتابة، ولم يكن يتقيد بوقت أو مكان معين يكتب فيه، ما دام أن الفكرة حاضرة في ذهنه، فعلى الفور يجلس ويكتب.

ومن الذكريات التى لا أنساها أنه كان يحب أن أعد له فنجان القهوة بنفسي، وعندما كبرت ِصرت أشاركه في احتساءها، وأدعوه لتناولها في مكتبي بالأهرام، وهو أيضا كان يطلب نفس الشيء عندما يكون في النقابة يكتب مقاله.

  • ما الذي كان يميز الحكيم بين أبناء جيله من الصحفيين؟ وماذا عن علاقته بمحمود السعدني وأنيس منصور؟

ـ والدي كانت كلماته رشيقة، ومشهور بعناوين مقالاته التى تحتوى على قفشات” ألش” وخفة دم، وكان الإعلامي حمدى قنديل يستعين بها دائمًا في برنامجه التليفزيوني” قلم رصاص”، وهو من أطلق عليه لقب” ملك العناوين الصحفية”، وفيما بعد تحولت معظم هذه الكتابات على السوشيال ميديا إلى” طق حنك”.

وعن علاقته بالكاتب الساخر محمود السعدني، أستطيع أن أقول أنها كانت علاقة وطيدة وصداقة جمعت بينهما رغم فارق السن، والدي كان يحب خفة دمه.

أما عن أنيس منصور؛ فكان والدي يتابع مقالاته، ويراها خفيفة ولطيفة، وعمل معه عندما كان مديرًا لتحرير سلسلة” اقرأ” بمجلة أكتوبر، قبل أن يترك مصر ويصبح لاجئًا سياسيًا في سوريا، وهنا يجب أن أشير إلى أن” منصور” هو من حذر والدي من بطش الرئيس السادات، قال له:” خد باسبورك واطلع على المطار دلوقت، انت مطلوب أمنيًا”، واضطر والدي بعد هذا التحذير إلى مغادرة مصر دون أن يودع أهله وأصدقاؤه، وكان السبب مقالاته المعارضة لاتفاقية كامب ديفيد، وإقدامه على ضرب الصحفي الإسرائيلي” يوري أفنيري” بالحذاء، أثناء تواجده داخل مجلة أكتوبر، لانه كان ضد التطبيع.

وبخلاف السعدني ومنصور، والدي” محظوظ” لانه نشأ بين بوتقة من الكُتاب العظام، من أمثال: نجيب محفوظ وعباس العقاد، جمعتهم جلسات مشتركة، وترك ذلك أثرًا عليه، نهل من ثقافتهم وتعلم منهم.

  • من هو كاتب الرأى المفضل عند الحكيم؟

ـ بالتأكيد هم كُثر، فمن جيله كان يتابع مقالات عبد الله السناوى في العربي الناصري، وعبد الحليم قنديل في المصري اليوم، وأيضًا د. طارق الغزالي حرب قبل أن يتوفاه الله، وكان صديق شخصي له.

  • أيهما تفضلين؟ سليمان الحكيم كمحلل سياسي أم ناقد فني؟ وما أوجه التشابه والاختلاف بينهما؟

ـ كتابات والدي في التحليل السياسي لا تقل ابداعًا عن كتاباته في النقد الفني أبدًا، هو في كلا الحالتين مبدع، كان يكتب بحب وإخلاص شديد.

أما عن أوجه التشابه والاختلاف بينهما، هو أن ما يكتبه كان نابعًا من داخله، يؤمن به ويصدقه، يعبر عنه بسلاسة وتحليل منطقي.

  • باعتباره ناقد فني، ماذا كان رأى الحكيم في أغاني المهرجانات؟

ـ كان غير معترف بها كأغاني، ولم يكن يفهمها، هي في نظره مجرد” دوشة”، و” هيصة لزوم الأفراح”، تعبر عن فئة معينة، في حاجة إلى توجيه وتوعية، وهي ليست نوعًا من أنواع الطرب أو الموسيقي.

  • ما رأيه في الفن عموما؟

ـ والدي كان يرى أن الفن ابن مرحلته، فالسينما أيام عبد الناصر خلال فترة الخمسينات والستينات حتى أوائل السبعينات كانت في عز جمالها وغزارة إنتاجها، ونوعية الأغاني فيها كانت” طربية”، أما في زمن السادات والانفتاح الاقتصادي، فكان الاتجاه نحو سينما المقاولات، وبدأت تظهر الأغنية الشبابيةـ الخفيفةـ والتى تطورت في عهد مبارك وكان من أشهر نجومها: عمرو دياب، وإيهاب توفيق، ومصطفي قمر.

وهناك مطربين على الساحة الغنائية، كان والدي يحب الاستماع لأصواتهم في حفلات الأوبرا تحديدًا، من هؤلاء: مدحت صالح، وآمال ماهر قبل أن تتجه للأغنية الشبابية، وأنغام، وغادة رجب.

  • ماذا لو كان الحكيم موجودًا معنا إلى اليوم، هل من الممكن تخمين إلى أى مدى كان سيتناول أزمة كورونا في كتاباته؟ وهل كان هو شخصيًا سيلتزم بقرار الحظر ويلازم المنزل حرصًا على صحته، ويدوام على ارتداء الكمامة؟

ـ أعتقد أنه كان سيتناولها بشكل ساخر في كتاباته، من منطلق” الهَم اللي بيضحكنا”، وهو دائمًا كان يتابع الموضوعات الأكثر انتشارًا (التريندات)، ويكتب عنها بطريقة لطيفة.

أما فيما يخص إتباعه الاجراءات الاحترازية، لا أعتقد أنه كان سيلتزم بها،” بابا كان آخر حد ممكن يسمع كلام الدكتور”، خاصة أنه كان مدخن شره، ودائما كنا نتشاجر معه للتخلي عن هذه العادة السيئة، حفاظًا على صحته، كان يعاني من حساسية الصدر والكُحة المستمرة، لكنه عنيد لم يكن ليستجِب، ومنطقه في ذلك أن السيجارة لن تنقص أو تزِد من عمره يومًا، وعن ارتداءه الكمامة أعتقد أنه كان سيلتزم بها.

  • هل كان لسليمان الحكيم أى مصدر دخل آخر إضافي بجانب عمله في الصحافة؟

        ـ طيله حياته، كانت الصحافة هي مهنته الوحيدة، لم يمتهن غيرها يوما ما، لهذا لم يكن لوالدي مصدر آخر سواها إلا فيما عدا تأليف الكتب، وكتابة الروايات والمقالات.

  • كلمة واحدة توصف سليمان الحكيم الكاتب والصحفي الكبير؟

       ـ بالنسبة لي” الحكيم” لا يوصف بكلمة واحدة، على المستوى الشخصي كان إنسانًا حقيقيًا يمكن الاعتماد عليه في كل وقت، أب حنون وطيب، وفي عمله كان شخص مهني جدًا، وعلى مستوى الصداقة كان صاحب صاحبه. لكن إذا اضطريت استخدم كلمة، فهي إنه كان” ضحوك”، ظريف يحب الضحك، بشوش وقعدته حلوة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق