ذاكرة الصحافة

حوارـ ابنة سليمان الحكيم: والدي لم يحصل على المكانة الحقيقية التي يستحقها (1-3)

” السيرة أطول من العمر” حكمة قديمة، لكنها ربما قد تصف مسيرة حياة واحد من كبار الكتاب الصحفيين، الذين عرفتهم مصر خلال الأربعين عامًا الماضية، تفاعل مع أحداثها، وعاصر أنظمتها وتياراتها المختلفة بروح طواقة للحرية والكرامة والعدالة الإنسانية، كان ثائرًا في مواقفه، مؤمنًا بناصريته التي تمسك بها، لم يخش قول الحق، وفي سبيله دفع الثمن، ففي مرحلة من حياته أُجبر على ترك وطنه، هربًا من بطش السادات، كان مقاتلًا شرسًا إذا عارض، ورغم ملامحه الهادئة ووجه البشوش، لكنه لم يكن ذلك الشخص الذي يسهل ترويضه أو توجيهه نحو تبني موقفًا بعينه، إرضاءً لأشخاص أو كيانات مهما بلغ مستوى نفوذها وسطوتها في المجتمع، كان “حكيمًا” إذا نطق، و”مبدعًا” حينما يكتب، و”إنسانًا” يساعد الغير دون تأفف، هو سليمان الحكيم أو”الحكيم” مثلما كان يناديه المقربون منه.

وسليمان الحكيم الذي توفي قبل عام وتحديدًا في 5 أكتوبر2019، ما زال يحيا بيننا بكلماته التى سطرها بقلمه الرشيق، وعبرت بصدق عن ما يعتريه من مواقف تجاه الأحداث التي عاشها وتفاعل معها كمحلل سياسي وناقد فني، يناقش ويدافع باستماتة عن آراءه التي دائمًا ما كانت محل لوم وانتقاد من البعض، لكنه أبدًا لم يرفع الراية البيضاء في أيًا من معاركه، لم يستسلم للظروف الصعبة التي مر بها خلال مشوار حياته، ظل ثابتًا على مواقفه حتى آخر أيامه.

وفي ذكرى رحيله الأولى، أجرى المرصد المصري للصحافة والإعلام حوارًا مع ابنته إسراء الحكيم، ننشره على 3 حلقات.

في الحلقة الأولى، تحكي ابنه سليمان الحكيم عن ذكرياتها مع والدها، وكواليس من حياته الشخصية، وتكشف الجانب الآخر لـ”الحكيم”ـ الديكتاتوري.

وإلى نص الحوار

• بعد عام على رحيله، ما الذي تفتقدينه في غياب سليمان الحكيم؟

ـ افتقد في” الحكيم” ـ مثلما كنت أناديه ـ الأب والجد، هو الآن ليس موجودًا في حياة أحفاده، أفتقد فيه الصديق، كنت دائمًا أستشيره في أمور عديدة، تعاملنا خلال العشر سنوات الأخيرة كان كزميل وزميلته، صديق وصديقته، وليس فقط مجرد أب وابنته، أفتقد نقاشاتنا المستمرة حول الأخبار والمقالات.

الحكيم شخصية “فرفوشة” جدًا، كان يحب الفن والإبداع ـ الحلو، أتذكر أنني في صغري كنت أجلس معه وأشاركه مشاهدة فيلم أو أغنية تعرض في التليفزيون، كان يعشق صوت فايزة أحمد، وهي من مطرباته المفضلات، تأثير رحيل والدي علينا أنا وأخوتي كان صعب، وبالنسبة لي كان الامر أصعب وأكثر ألمًا، لكوني أعيش بعيدًا عن مصر منذ 7 أعوام، بينهم عامًا كاملًا غاب فيه الحكيم، لم يعد موجودًا في حياتي، كانت المرة الأخيرة التى أقابله فيها عندما جاء إلى تركيا لزيارتي في عام 2017، وبحكم أنني أعيش فيها الآن يتصادف وجودي في نفس الأماكن التى كنت أتردد عليها معه، غاب كجسد لكن روحه لازالت حاضرة في كل تفصيلة من تفاصيل حياتي، دائمًا أتخيل نفسي أحدثه واستشيره في أمرًا ما يخصني وأتوقع ردوده.

• حدثينا عن سليمان الحكيم الأب والصديق؟

ـ خلال العشر سنوات الأخيرة، تحولت علاقتي معه لصديق وزميل أكثر منه أب، كنا نتجاذب أطراف الحديث ونتناقش ـ الند بالند ـ فأنا زميلة صحفية وصديقة يستشيرني، وبالطبع كنت أنا أكثر من يستشيره ويلجأ إليه على الدوام، والدي كان حريص أن يعرف رأيي ودائمًا كان يشجعني على مشواري في الصحافة الذي اختاره لي، هو طيب وحنين جدًا لكنه كان عصبي جدًا جدًا “يتعصب بسرعة ويروق بسرعة”.

كان دائم الخوف علينا، ويحمل همومنا وهم حياتنا ومستقبلنا، ولم يكن يهتم فقط بأبناءه الخمسة لكن كان لديه أبناء آخرين من الأيتام تكفل برعايتهم، وساعدهم على الزواج، ومنهم من أنجب، فأصبح جد حتى قبل زواجي، الحكيم كان إنسان بدرجة كبيرة جدًا، كان حريص على القيام بدوره كأب مسؤول وكفرد في عائلته، دائم التواصل مع جميع أفراد أسرته من الأعمام والعمات، كان معهم في معظم الأوقات، وكذلك الحال مع أصدقاؤه كانوا عندما يلجأون إليه يجدونه، الحكيم كان نعم الصديق والأخ والسند ليس فقط لأبنائه لكن لأي شخص يحتاجه.

• بعد وفاته نعاه العديد من أصدقاءه ومحبيه.. مَن أقربهم حتى اليوم للأسرة ودائم السؤال عنكم؟

ـ الحقيقة إن بعد وفاة والدي، اكتشفت أن هناك كثيرين يكنون له محبة واحترام على عكس ما كنت أتوقع من أن البعض قد ينتهز الفرصة لينتقده أو يشمت فيه أو حتى يتشفي في وفاته خاصة من التيارات المعارضة له، فخلال الخمس سنوات الأخيرة قبل رحيله، وهي الفترة الأصعب على الإطلاق، في خضم معارك سياسية محتدمة، كان لوالدي آراء معارضة فيها، كان من نتيجة ذلك وضعه تحت دائرة الضوء وملاحقته، لكن فوجئت برد الفعل الذي أسعدني كثيرًا وصبرني على فراقه عندما اكتشفت أن والدي كان “صاحب الكل”، لديه أصدقاء من مختلف أطياف المجتمع، ينعونه ويدعون له بالرحمة، وهذا الشيء لم أكن أتخيل حدوثه بالمرة خاصة من بعض الأشخاص، وخلال فترة مرضه كنا نستقبل على صفحته رسائل مهولة من محبيه يدعون له بالشفاء العاجل ويطلبون زيارته في الإسماعيلية ـ مكان المنشأ، كنت أعلم أن لديه صداقات ومعارف عديدة، لكن بالطبع كانت له علاقات بأشخاص كنت أجهلها تمامًا، واكتشفتها بعد وفاته وانبهرت بكم المختلفين معه فكريًا، وهذا الأمر تأثرت به كثيرًا، لأنه أظهر لي شخصية الحكيم، إنسان محبوب وعادل جدًا في علاقاته، وربنا جعل سيرته أطول من عمره، وأظن أن سيرته الطيبة ممكن أن تعطي له قدرًا من حقه المهدور، والدي لم يحصل على المكانة الحقيقية التي يستحقها كصحفي مشهود له بالكفاءة.

وعن الأشخاص الأكثر قربًا للأسرة، فهناك كثيرون من الصعب حصرهم، لكن قد استثني منهم واحدًا فقط هو الأستاذ محمد عبد القدوس الكاتب والصحفي الكبير، إنسان جميل ومحترم وطيب فوق الوصف، لديه عاطفة أبوة جياشة، فهو دائم التواصل معنا والاطمئنان علينا، لا أتذكر أنه انقطع سؤاله عنا طوال الفترة الماضية، يهتم بشؤوننا ويتابع أخبارنا بشكل مستمر، هو صديق مخلص لوالدي وابن أصول، وأنتهز فرصة حواري مع “المرصد” لأوجه له شكرى وامتناني واعتزازي وفخري لكونه أب وصديق ممكن أن نلجأ إليه باطمئنان ودون أن نشعر بأى حرج، ربنا يمتعه بالصحة والعافية ويبارك في عمره ويجعله سند ومعين لنا وللأسرة الصحفية جميعها.

• من هم أفراد أسرة سليمان الحكيم؟

ـ يمكنني القول أن أسرة سليمان الحكيم هي أسرة مصرية صميمة ومتواضعة؛ تزوج والدي مرتين، الأولى من والدتي وهي سيدة سورية، كانت تعمل بالسلك الدبلوماسي ـ قنصل سوريا في ألمانيا ـ تعرف عليها عندما كان لاجئًا سياسيًا في سوريا بعد تركه لمصر في فترة حكم الرئيس السادات، وتزوجا في مطلع الثمانينات وأنجبوني، فكنت أنا وحيدة أمي، ثم جاء زواجه الثاني من سيدة مصرية وأنجب منها 4 أبناء، بنتين وولدين، منهم اثنين يعملون في مجال الصحافة.

حب عبد الناصر هو ما جمع بين والدي ووالدتي،”ناصريين حتى النخاع”، فبحكم عمل والدتي في السلك الدبلوماسي كان لديها نشاط سياسي في سوريا، سيدة مجتمع ولها حضور، التقت بوالدي وحدث بينهما تناغم فكري وعاطفي كبير، ومن شدة حبها لعبد الناصر أحبت والدي وعاشت معه عمرها كله إلى أن توفاها الله عام 2016، مصر عند أمي كانت شيء عظيم وكل شخص يأتي منها هو أيضًا عظيم، والدي كان بالنسبة لأمي هو عبد الناصر الثاني، من كثرة ما كانت تعشقه، المدهش أنهما تزوجا في ذكرى بيان 30 مارس، الذي خاطب فيه عبد الناصر الشعب عام 1968، ومن الصدف الغريبة في حياتي أنني من مواليد 23 يوليو، وتاريخ وفاة والدتي هو نفسه تاريخ وفاة عبد الناصر في 28 سبتمبر، لذلك فإن عبد الناصر كان هو تميمة الحظ في حياتنا كأسرة.

• رحيل والدتك باعتبارها رفيقة مشواره، كيف تعامل مع الأمر؟

ـ رحيلها كان صعب عليه جدًا، والدتي كانت مريضة، وتعرضت لأزمات صحية متتالية، أدت إلى بتر في القدمين، نتيجة ارتفاع نسبة السكر في الدم، وعلى مدار عام كامل عشنا أزمة صحية كبيرة، كانت تمهيدًا للرحيل، لكن والدي كان يرفض الأمر، ودائمًا كان لديه الأمل في أنها ستظل موجودة ولن تغادرنا، وطبعًا ربنا شاء أنها ترحل بعد معاناة، رحيل والدتي كان بداية تعب والدي، هي كانت رفيقة مشواره النضالي والسياسي والثقافي، وأم ابنته البكرية، مشاعر كثيرة مختلطة لن أستطيع وصفها، “ماما كانت حد ما يتوصفش”.

ومثلما سبق وذكرت كانت ناصرية ـ متعصبة ـ أكثر من والدي، كانت لا تقبل المساس بناصر، فكان يجمعهما تفكير واحد، وأرضية ثقافية مشتركة، ومن المعروف أن مصر وسوريا أصبحا بلدًا واحدة (الجمهورية العربية المتحدة) قبل انفصالهما مطلع الستينات، فوالدي كان يرى أن زواجه من أمي  يحقق الوحدة التى فشل عبد الناصر فيها أو بالأدق أُفشلت، أصدقاء والدي في سوريا كانوا يطلقون عليَ اسم “زهرة الإقليم الجنوبي”، أي الزهرة المصرية، بمعنى أنني في نظرهم كنت ثمار الوحدة الجميلة بين مصر وسوريا، لذلك كان رحيل أمي سبب في كسرة والدي، وكان بداية انهياره صحيًا ونفسيًا، خاصة مع توالي الأزمات عليه فيما بعد مثل قرار منعه من الكتابة وإجباره على الصمت، والصحفي إذا مُنع من الكتابة حُكم عليه بالموت المبكر.

• هل تتذكرين موقفًا تعرضتِ له في صغرك جعلك تشعرين بالفخر لكونك ابنه كاتب كبير هو سليمان الحكيم؟

ـ بالطبع أتذكر، خلال فترة عرض برنامج “رئيس التحرير” للإعلامي حمدي قنديل، على التليفزيون المصري، كنت أفتخر حقيقة بكوني ابنة الكاتب المشهور سليمان الحكيم، والسبب هو أن البرنامج كان يناقش دائمًا مقالات والدي، ويعرض عناوينها الصحفية، ولطبيعة المحتوى المقدم لم يكن البرنامج نخبوي، لكن كان له قاعدة جماهيرية عريضة، تشاهده كل الأعمار، بما فيهم أصدقائي وزملائي في المدرسة، وفي رأيي أن هذا البرنامج هو من أسس للتوك شو ـ الصحفي والإعلامي ـ في مصر، لتتوالى برامج مختصة بتناول المانشيتات والتحليلات الصحفية، أتذكر أنه في اليوم التالي وبعد عرض البرنامج، أُفاجأ بزملائي في المدرسة يسألوني باندهاش: “إيه دا حمدى قنديل جاب سيرة باباكي امبارح في البرنامج”، كنت سعيدة وفخورة جدًا، لدرجة أنني كنت أرد عليهم وأقول:” أيوه عادي يعني دا صاحب بابا”.

ولم يختلف الأمر عند أساتذتي، ففي الفصل كان الواحد منهم يسألني عن والدي، ويطلبوا مني أسلم لهم عليه،” ما أنكرش إني كنت بشوف نفسي على صحابي ما أنا بنت سليمان الحكيم بقى اللي حمدي قنديل بيقول اسمه في البرنامج”.

• سليمان الحكيم في محيط أسرته، كيف كان يتعامل مع الرأي الآخر؟ هل كان ديمقراطيًا أم العكس؟

ـ الحكيم في محيط أسرته لم يكن ديمقراطيًا على الإطلاق، بل كان شخصًا ديكتاتوريًا لأقصى درجة ممكن أن يتخيلها أحد، هو صعيدي الأصل، كان سي السيد في نفسه، وأنا في فترة من الفترات كنت أخاف الحديث معه خاصة في مرحلة المراهقة، رغم أننا كنا أصدقاء، لكن لم أكن أستطيع إخباره عن أي شئ وجهًا لوجه، فكنت ألجأ للكتابة من خلال الجوابات التى أضعها تحت وسادته، أبوح فيها بما أخشي قوله ـ علانية ـ أمامه، كان يفتحها ويقرأ ما فيها، ورده كان يصلني إما بابتسامة أو بوجه عابث، “لما ماكنش بيكلمني أعرف إن الموضوع اترفض، ولو لاقيته بيهزر ويضحك معايا يبقي خلاص موافق”، بابا كان حنين وطيب، وسيطرته أو ديكتاتوريته كانت دائمًا لمصلحتنا، وليس لمجرد العند، أحيانًا كان يسمح بمساحة من التفاهم والنقاش، لكن غالبًا كان الأمر ينتهي برأيه هو في حالة عدم اقتناعه بما نقول.

• أطلعينا على جانب من طباعه الشخصية التى تعرفينها؟

ـ والدي كان شخصية طيبة جدًا ومتواضع، أصدقاؤه معظمهم كانوا من البسطاء، مثل: عامل البوفيه في الجورنال، كان يحب الجلوس معه كل صباح، ويشاركه شرب الشاي، وغيره كثيرين، فمعهم كان يتبادل الحديث في أمور السياسة، وينصت لشكواهم، كي يحس بنبض الشارع، ويستقي من ذلك أفكار جديدة لمقالاته، الحكيم كان صاحب الصغير والكبير، وعنده أصدقاء من مختلف الأجيال، كان يحب الجلوس مع الشباب ليتعرف على أفكارهم وطموحاتهم، وتشهد على ذلك المنضدة التى كان يجلس عليها في نقابة الصحفيين، ويلتف حولها الصحفيين من كل الأعمار.

ومن طباعه الشخصية أيضا أنه كان محبًا للفن، عاشقًا له بشكل غير طبيعي، ولولا تدخينه للسجائر كان من الوارد أن يصبح مطربًا في دار الأوبرا، كان يتمتع بحلاوة الصوت، وفي الجلسات التى كانت تجمعه بأصدقائه كان يدندن ويغني، وفي مرحلة من حياته كان يعزف على العود، لكن يبدو أن الجانب الصحفي عنده قد طغى على الجانب الفني، ومع ذلك فهو في الحياة العادية كان يسمع الأغاني، ويحب مشاهدة الأفلام، وإلى جانب ذلك كان واسع الثقافة، فهو قارئ نهم، يحب القراءة، ولدينا في المنزل مكتبة كبيرة بها شتى أنواع الكتب الفكرية.

• كيف دخلتِ عالم الصحافة.. هل كان برغبة من والدك؟

ـ عملي بالصحافة كان وراءه قصة لطيفة، بدأت من نشأتي في بيت صحفي، مثلما قلت كان لدينا مكتبة كبيرة تضم العديد من الكتب، وكانت القراءة إحدى هواياتي المفضلة على عكس أصدقائي في هذه الفترة، أتذكر أن والدي عندما كان يشرع في كتابة أحد كتبه، كان يحرص على أن أكون بجواره لأمليه المسودات الخاصة بالكتاب، كنت صغيرة في عمر السبع سنوات تقريبًا، وأتلعثم في القراءة، ولا أفهم شيئا مما أقرأ، لكنه كان يريد من ذلك تحفيزي على القراءة والتعلم، ومع مرور الوقت كانت تعلق في ذهني مصطلحات كبيرة تفوق المرحلة العمرية التى أمر بها، كنت أسأله فيرد ويبسطها لي حتى أفهمها، فنشأت وأنا أشم رائحة ورق الدشت ـ المميزة ـ في المنزل، والدي شجعني على القراءة، كان يقول لي:” لازم تقرأي.. وتعرفي كل حاجة عن أى حاجة”.

لا أعلم أن ما سبق كان تمهيدًا لعملي بالصحافة فيما بعد، وبالمناسبة دخولي الصحافة كان بالغصب وليس بالتراضي، أنا كنت غاوية سينما، وفي مرحلة الثانوية العامة، بدأت أهيأ نفسي من خلال المذاكرة والقراءات المختلفة لاختبار معهد السينما، وأخبرت والدي برغبتي في أن أصبح مخرجة، وكان رده: “مش هينفع تبقى خريجة معهد، أنتِ مجموعك كويس يدخلك كلية، ليه تدخلي معهد”، كان تفكيره تقليدي، فرفض، وقال لي: “أنا مش موافق، مفيش حاجة اسمها تدرسي في معهد، ادخلى أي كلية أنتِ عايزاها معنديش مشكلة، وبعدها تقدري تكملي في معهد أو حتى تعملي دراسات في النقد الفني”، وقتها أنا كنت رافضة الامر، إلى أن انتهيت من الامتحانات، ولم أنتظر فتح باب التنسيق، فسفري إلى سوريا مع والدتي لقضاء إجازة الصيف مع العائلة كان شيء لابد منه كل عام، لا نستطيع تأجيله، فتركت الأمر بين يدي والدي وأكدت عليه قبل السفر أن يكتب معهد السينما أو فنون جميلة ضمن الرغبات، وأومأ برأسه كدليل على الموافقة، والحقيقة أنني كنت دائمًا أرى نفسي إما في السينما كمخرجة أو فنانة تشكيلية، أنا كنت ولا زلت أرسم بشكل جيد.

عندما عدت إلى مصر فوجئت بنتيجة التنسيق أنه قد تم قبولي في كلية الآداب جامعة عين شمس قبل أن يقرر والدي قبل بداية العام الجامعي نقل أوراقي إلى جامعة بنها للالتحاق بقسم الإعلام هناك، الذي أسسته الدكتورة نوال عمر، لكنني فعليًا ومن قبل ذلك كنت قد دخلت عالم الصحافة من باب التحدي وأنا في الصف الثاني الثانوي، عندما كنت أتناقش مع والدي حول قرار التحاقي بمعهد السينما، كنت أقول له: “أنا أقدر اشتغل صحفية عادي حتى لو دارسه أى حاجة”، لكنه كان يصر على أن أدرس صحافة، كان يقول: “الصحفي لازم يدرس عشان يتأسس صح، ماينفعش يدخل الصحافة كده من باب الموهبة فقط”.

وكان التحدى  أنني سأستغل الإجازة الصيفية التى أقضيها مع والدتي في سوريا، وأعود بمجموعة من الحوارات الصحفية مع عدد من الشخصيات المعروفة هناك، واتفقت معه لو عجبته ينشرها في الجريدة، وبالفعل أتممت الموضوع وكسبت التحدي، عندما عدت بشرائط تسجيل تقدر بالساعات، استطعت فيها محاورة شخصيات مثل: عدنان عمران وزير الإعلام السوري، والسفير المصري في سوريا، والفنان دريد لحام، والمطربة أصالة وغيرهم. ولم أكن قد تجاوزت الـ 17 عامًا من عمري، وقتها والدي فرح جدًا، وطبعا نفذ وعده ونشر أول حوار أجريه في جورنال العربي الناصري وكان مع وزير الإعلام السوري، ورغم ذلك لم يقتنع أنني أستطيع العمل بالصحافة بدون دراستها، وفوجئت في العام التالي إنه قدم لي في كلية الآداب قسم الإعلام، ورضخت للأمر الواقع، على أمل أن أنتهي من الكلية وأدخل معهد السينما، وهو ما لم يحدث، لأن الصحافة سرقتني من مواهبي، وليس معنى ذلك أنني لم أحبها، والدليل أنني بعد تخرجي استمريت في العمل بها، لم أتركها بل قمت بعمل انفرادات وحصلت منها على جوائز، وهو ما يتنافى مع قول البعض أنني دخلت الصحافة بالواسطة عن طريق والدي الكاتب المعروف سليمان الحكيم، وهذا غير صحيح، فقد عينت في مؤسسة الأهرام بعد 8 سنوات عمل بمجلة نصف الدنيا، وحصلت على عضوية نقابة الصحفيين عام 2010، وطبعًا دخولي المجال كان برغبة من والدي وأنا نفذتها، كان يرى أن لدي ملكة الكتابة،”شايف إني بكتب كويس، ومصدق ده فيا”، وهذا شيء لم أكتشفه في نفسي إلا مؤخرًا، بعد دخولي معترك الحياة الصحفية والإعلامية.

• هل من نصائح تتذكرينها سبق وقالها لكِ سليمان الحكيم (الأب) سواء ما يخص المهنة أو في الحياة عموما ولا زلتِ تعملين بها حتى اليوم؟

ـ أنا نشأت وتربيت على إني دراعه اليمين، بنت بشخصية ولد، رباني على أن أكون قيادية أفهم في كل شيء تقريبًا كنت شبه” لازقة معاه” في كل مشاويره، كان يتعامل معي على إني ابنه البكري وبنته الدلوعة، الابن في المسؤوليات وما أتعلمه منه، ودلوعته بنت أبوها مثلما نقول، أتذكر أنني كنت أرافقه في مشواره عند الميكانيكي لإصلاح سيارته، تعلمت منه كيف أستطيع تغيير كاوتش السيارة، قال لي: “مش هتبقي بنت وتقفي تشاوري لحد يجي يغير لك الكاوتش وتحتاسي، لا أنتِِ تغيريها بنفسك، يعني اعتمدي على نفسك ومتعتمديش على حد”، دائمًا كان يزرع بداخلي فكرة الاعتماد على النفس وإني أعمل كل شئ بنفسي، نصيحته لي في الحياة أن أكون قد المسؤولية، وقد ثقة الناس، كان يقول: “لازم تكوني عند حسن ظن وثقة الآخرين فيكي”، أما على المستوى المهني، فتعلمت منه الكثير، بداية من حبي للقراءة في سن صغيرة، والتعبير بالكتابة عن كل ما يجول بصدري ولا أستطيع الإفصاح عنه بالكلام.

تأثرت به لاشك واستوعبت ذلك بعد مرور سنوات، رغم أنني كنت في حالة ندية معه، أرفع شعار”لن أعيش في جلباب أبي”، كنت مهتمة أعمل “كاريري” وأبني مستقبلي بعيدًا عن سليمان الحكيم الكاتب الصحفي، أتطلع إلى إثبات نفسي كصحفية شاطرة، والدي كان يدعمني وينصحني لكن بشكل غير مباشر، بحكم السن والخبرة، لكنني كنت أتعامل معه بندية وهو كان يشجع ذلك،” كان حابب أفضل تحت عينه عشان خايف عليا من الوسط”، وهو ما أدركته لاحًقا عندما دخلت معترك الحياة الصحفية في مصر، عرفت أن اسمه كان بمثابة حماية لي من أمور مشينة من الممكن أن تتعرض لها الصحفيات الناشئات في بداياتهم كالابتزاز والضغوطات المختلفة وما شابه، كما تأثرت به في جانب الكتابة، كان يقول لي: “المقدمات الصحفية هي هويتك، هي أنتِ، بتظهر إمكانياتك وموهبتك وشطارتك قدام القارئ”، وكان يري أن الحوار الصحفي هو عبارة عن مقدمة وأسئلة، والإجابات شيء خاص بالضيف، وبناءً على نصيحته تعلمت كيف أذاكر الشخصية جيدًا” محور الموضوع”، وألا أستسهل الأمر حتى وإن كان الحوار عاديًا، كان يقول: “لازم تذاكري اللي قدامك كويس جدًا، عشان تقدري تعملي حوار حلو ومختلف”.

• ماذا تعلمتِ من سليمان الحكيم (الصحفي) وحرصتِ على تطبيقه في عملك؟

ـ تعلمت منه شرف الكلمة، والالتزام بما يقول أو يصرح به المصدرـ لا أزيد ولا أنقص ـ فأمانة الكلمة تقتضي نقلها على لسان المصدر، وفي حالة إذا صرح بكلام واشترط عدم نشره، يجب احترام رغبته، والدي زرع فيِ أن أكتب بصدق وإخلاص وألا أخاف، قال لي:” الكلمة زي ما بتديكِ، وارد جدًا تاخد منك، كلمة الحق لها ثمن ممكن تدفعيه في وقت من الأوقات”، بابا كان من الناس المهنيين جدًا في عملهم، وأمين لأقصى حد، علمني إن الصحافة هي أمانة الكلمة، لا يجوز التهاون فيها، والنقل عن المصدر “أمانة” لا يصح التهاون فيها، وأنا ملتزمة بذلك حتى اليوم، وللأسف بدفع الثمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق