صحفيون خلف القضبان

مصطفى الأعصر يكتب: رجل يبحث عن مخرج! (قصة قصيرة)

أرسل الصحفي مصطفى الأعصر، من محبسه بمركز شرطة الفيوم، قصة قصيرة بعنوان “رجل يبحث عن مخرج!”.

جدير بالذكر أن “الأعصر” أخلي سبيله في 7 مايو 2020، بضمان محل إقامته على خلفية الاتهامات الموجهة إليه في القضية رقم 441 حصر أمن دولة عليا، التي حٌبس احتياطيًا على ذمتها عامين، وقبل إنهاء إجراءات إخلاء سبيله، تم التحقيق معه على ذمة قضية جديد تحمل رقم 1898 لسنة 2019، ووجهت له اتهام الترويج لارتكاب جرائم إرهابية.

وإلى نص القصة :

وجد نفسه واقفًا بغرفة فارغة من كل شئ إلا منه، تغلب عليها الظلمة والكآبة، جدران سميكة وأرض باردة، يشعر بالجوع والظمأ، يكاد يتهاوى من شدة الضعف، ظمآن كأرض لم تروى منذ ألف عام، ووحيد كأرض لم تطأها قدم منذ ألف سنة.

حقيبة صغيرة معلقة على كتفه، بحث فيها عمَّا يؤكل أو يُشرب، وجد قطعتين صغيرتين من البسكويت ونصف زجاجة مياه صغيرة، تناول البسكويت على عجل وأتبعه بشرب المياه. ما إن بدأ جهازه الهضمي في العمل حتى شعر أنه حي.

نظر فيما حوله فلم يجد سوى بابًا به طاقة صغيرة، اتجه نحو الباب وجلًا يقدم خطوة ويؤخر الأخرى، تملَّك شجاعته، جرجر قدميه حتى وصل إلى الباب، تلصَّص النظر من الطاقة الصغيرة فرأى رجلًا يشبهه يجلس متكئًا على أريكة وأمامه طاولة صغيرة يعلوها كوبان من مشروب ما، وبؤرة من الضوء مركزة عليه.

كان للرجل عيون ميتة تنظر إلى الفراغ، والشبه الشديد بينهما أخافه بشدة.. نظر إلى الكوبين وحاول أن يحزر ما بهما، ربما شايًا؟ لكنه لا يحب الشاي.. قهوة -على الأغلب- أو حليبًا .

تفحص المكان من حوله، لا مخرج سوى هذا الباب، ولا عنصر بشري سوى ذاك الرجل الذي يشبهه، عاد بنظره إليه، منظره مخيف رغم وداعته وحزنه، شعر أنه ينظر إلى ذاته في عالم آخر.. لابد أن يسترعى انتباهه ويحادثه، فهو سبيله الوحيد للخروج، ولكن بأي لغة يحادثه؟ يعرف من اللغات أربعًا ، ناداه بالعربية فلم يجب، كرر النداء ثم تحوَّل إلى الإنجليزية والرجل لم يتحرك من مكانه.. نهره بالإسبانية ثم سبَّه مرارًا بالألمانية ولا مجيب..

ظل يتنقل بين اللغات التي يعرفها لوقت غير معلوم والرجل بالخارج لا يرمش له جفن.. نظر إلى عينيه، صرخ فيه أن يتحرك باللغات الأربع، سبَّه ثم توسَّل إليه وترجَّاه ثم سبَّه بشكل أعنف وأكثر فجاجة ووقاحة.. ركل الباب بقدميه مرارًا حتى تعب، شعر بالضعف والهوان وانتابه شعور مفاجئ بالرغبة في البكاء ولكن تحجرت الدموع في عينيه.

يريد أن يرحل الآن من هذا المكان وهذا الحارس الغبي أو أيًا من يكن، هذا الغبي الذي يشبهه لا يساعده ولا يحاول أن يبدي ولو ذرة تفاعل معه.

خاف من أن يكون غير مرئي، ليس له كيان مادي، تلمَّس جسده بكفيه، صفع نفسه، ضرب رأسه بالحائط، شعر بالألم وتيقَّن من حقيقة وجوده، طالما آمن أن الألم هو الدليل الوحيد على وجود الإنسان، ألم يخبرنا الله أنه خلق الإنسان في كبد؟!
عليه الآن التفكير بشكل ينم عن ذكاء مختلف، لن يساعده أحد ولا حتى ذاك الرجل الرابض بالخارج، نداءاته وصراخه بلا أي مفعول أو نتيجة، لا يوجد بالغرفة ما يساعده على فتح الباب أو كسره، حقيبته شبه فارغة إلا من بضع ورقات وقلم، هل يلجأ إلى الدعاء؟ دعاء رجل ضاقت به السبل وتقطعت به الأسباب، ولكن هيهات أن يتحول الدعاء إلى مفتاح في يديه أو مطرقة أو عصا سحرية، هذه ليست بطريقة تنم عن أي ذكاء.

قاربت قواه الجسدية على النفاذ، نظر إلى العيون الميتة للرجل الذي يشبهه بعيون ميتة مماثلة وتسمَّر في مكانه بلا حراك لوقت غير معلوم..

انتفض فجأة عندما لامست كتفه أنامل رقيقة لفتاة جميلة، كانت حبيبته، باعدت يديها عنه في قلق “ما بك؟” لم يرد، نظرت بعيونها الجميلة إلى عيونه الميتة فرأت مئات الصور المكررة للرجل الذي يشبهه، ارتجفت للحظة ثم أعادت سؤالها “ما بك؟ هل تريد البقاء هنا طوال اليوم؟ إلى متى تتسمَّر في مكانك أمام هذه الغرفة؟ متحف الشمع أوشك على غلق أبوابه.. علينا الرحيل”.

هزَّ رأسه صامتًا بعدما أفاق من غفلته، نظرت حبيبته إلى داخل الغرفة فارتجفت مجددًا “يا إلهي! هذا الرجل حقًا يشبهك” تنقلت بنظرها بينهما “ربما لهذا السبب تسمرت هكذا” ابتسمت وقبَّلته قبلة حانية على جبينه أعادت إليه الحياة، أمسكت يديه بحنو وأخبرته “لا عليك.. لا تخف.. علينا أن نرحل الآن”.

خرجا معًا من المتحف، الوقت عصرًا والشمس قائظة، ما إن خطَّى بقدميه في تلك الحرارة المرتفعة حتَّى شعر بجلده يسيح ويتساقط كالشمع، وآتاه هاجس أن الرجل الآخر بالغرفة دبت فيه الروح ويستغيث الآن دون مغيث، ليس هاجسًا إنما حقيقة، يستطيع أن يستمع إلى نداءاته وصرخاته باللغات الأربع، يستطيع أن يستمع إلى ألمه، كلما ابتعد عن المتحف كلما خفتت النداءات والصرخات.. مازال يسمعها.. أوقف حبيبته “هل تستمعين إلى الصراخ؟”

كانت الحرارة تزداد وجسده الشمعي يتساقط بالبطيء.. “انصتي”.. الصرخات أصبحت أضعف، وضع كفيه خلف أذنيه كي يسمع جيدًا لكن أذناه ساحتا وسقطتا على الأرض واختفت الأصوات واختفت الصرخات..

مصطفى الأعصر
24-5-2020
غرفة العزل
مركز شرطة الفيوم (مركز الفلاحين)
مدينة الفيوم“.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق