ذاكرة الصحافة

محمد التابعي.. مؤسس “آخر ساعة” وأحد رواد الصحافة المصرية في القرن العشرين (بروفايل)

“محمد التابعي محمد وهبه” هو اسمه بالكامل، ولد في مثل هذا اليوم 18 مايو 1896، ترجع جذوره إلى محافظة الدقهلية، أسمته والدته على اسم الشيخ محمد التابعي تيمنًا به، وهو اسم مركب.

عندما بلغ “التابعي” سن التعليم، التحق بالمدرسة الأميرية في المنصورة وحصل منها على الإبتدائية عام 1912، وعُرف عنه ضعفه في مادة الخط العربي، وفي عام 1917 حصل على التوجيهية من مدرسة ثانوية داخلية بمحرم بيك في الاسكندرية، ونال ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1923.

وخلال فترة من حياته عمل موظفًا في إدارة التموين بالسويس؛ فتولى الإشراف على توزيع مواد التموين بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ثم مترجمًا بمجلس النواب المصري.

البداية
خلال سنوات دراسته الجامعية اكتشف حبه للكتابة، حيث كانت مظاهرات الطلبة هي “مفتاح” دخوله إلى عالم الصحافة. ففي عام ١٩٢١م كتبت جريدة “الإچيبشيان ميل” مقالًا تهاجم فيه هذه المظاهرات، فكتب الطالب “التابعي” مقالًا بالإنجليزية رد فيه على ما نشرته الجريدة، ثم أتبعه بمقال آخر يتحدث فيه عن الموظفين الإنجليز في الإدارة المصرية، وما لبث أن طلب منه رئيس التحرير بعدها أن يكتب مقالًا نقديًا بالإنجليزية حول مسرحية غادة الكاميليا، التي كان يقدمها مسرح رمسيس في ذلك الوقت.

وخلال حديث إذاعي نادر أجرته الإذاعية “صفية المهندس” خلال مطلع ستينات القرن الماضي، بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على إنشاء الإذاعة المصرية، تحدث “التابعي” عن بدايته الصحفية حيث قال: “أنا بدأت حياتي المهنية كناقد فني في جريدة الأهرام، وكانت مقالاتي بإمضاء (حندس)، وهو اسم معناه الليل المظلم زي ما قال لي خليل بيه مطران، وبعد كده بدأت أكتب النقد المسرحي في مجلة روز اليوسف”.

ووصف “التابعي” نفسه بأنه “بقال صحافة”، مستطردًا: “يعني أكتب في كل نوع، زي ما البقال بتجدي عنده كل جميع أصناف العطارة، مقشة وجنبها زيت وسمن وبونبون وبتاع، أنا كمان بكتب في السينما والمسرح والسياسة وفي التموين والمستشفيات وفي مشاكل الناس وكل حاجة”.

أمير الصحافة المصرية
لقب اشتهر به “التابعي” حيث تميز بأناقته واهتمامه بمظهره فكان يمتلك ذوق رفيع في اختيار ملابسه، وكان معتادًا على قضاء إجازته متنقلًا بين باريس وجنيف، ولم يكن يقيم طوال مدة سفره سوى في الفنادق التي كان يقصدها الملوك والأمراء في هذا الوقت، أما فى القاهرة فكان يعيش في شقته بحى الزمالك.

وهو صاحب المقولة الشهيرة: “أن يفوتك 100 سبق صحفى أفضل من أن تنشر خبرًا كاذبًا”.. حيث عُرف عنه أنه صحفي يتحقق من معلوماته قبل نشرها وكان يحصل على الأخبار من مصادرها مهما كانت.

ولا غرابة في أن يكون ذلك هو نفس النهج الذى سار على دربه معظم من تتلمذوا على يديه وأصبحوا من الكتاب والصحفيين المعروفين ليس في مصر وحدها بل على مستوى العالم من أمثال: محمد حسنين هيكل، والأخوين مصطفى وعلي أمين، وكامل الشناوى، وإحسان عبد القدوس، وأحمد رجب.. وغيرهم.

شارك “التابعي” في فترة من حياته بالكتابة في مجلة روز اليوسف كناقد فني يكتب دون توقيع ثم كاتبًا للمقالات السياسية الساخرة والتى كانت تلقى مردود إيجابي بين الناس، حيث ساهم ذلك تدريجيًا في زيادة نسب توزيع المجلة وسط استنكار وغضب المسئولين ورجال الدولة وقتها.

وفي عام 1934 اتجه إلى تأسيس مجلة آخر ساعة، ثم شارك في إنشاء جريدة المصري مع محمود أبو الفتح، وكريم ثابت.
ويعتبر “التابعي”، هو الصحفي المصري الوحيد الذى رافق العائلة الملكية في رحلتها الطويلة لأوروبا عام 1937، وكان شاهدًا ومشاركًا للعديد من الأحداث التاريخية آنذاك.

ويعد أمير الصحافة المصرية صاحب مدرسة حديثة في فن الكاريكاتير كما وصفه البعض، فهو من أوائل الصحفيين الذين تجرأوا وهاجموا السلطة الحاكمة في البلاد خلال فترة الثلاثينيات وما بعدها وانتقد حكوماتها المتعاقبة في العهد الملكي، حيث كان التابعي حريص في مقالاته على إطلاق ألقاب ساخرة على عدد من رجال الدولة في ذلك الوقت من بينهم: محمد محمود باشا رئيس الوزراء “صاحب اليد الخشبية”، وأحمد خشبة باشا وزير العدل “وزير الحلاوة الطحينية”.

وكان يؤثر بقلمه في الأحداث، فعلى الرغم من أن أسلوبه قد يبدو ساخرًا عندما يهاجم، لكنه كان رشيقًا مهذبًا ساعده ذلك على أن يُؤسس لنفسه مدرسة خاصة في الكتابة الصحفية تعلم منها البعض وأخذوا في نسخها فيما بعد. ففي مقال تحت عنوان: “محمد التابعي.. الصحفي المتمرد”، ذكر شيخ الصحفيين، حافظ محمود، واقعة شهيرة حدثت في أحد ليالي شهر رمضان الكريم حيث لاحظ التابعي أن دار المندوب السامي البريطاني تقيم حفلة شاي واستقبال في ليلة القدر، وأن هذة الحفلة قد حضرها بعض الشيوخ بحكم مناصبهم الرسمية، فما كان من “التابعي” إلا أن كتب مقالًا عنيفًا في اليوم التالي بعنوان: “أصحاب الفضيلة الخواجات”. وما كاد هذا المقال يظهر حتى أصدرت مشيخة الأزهر تعليمات بمنع أي أزهري كبير من حضور هذة الحفلة، وبذلك استطاع بمقاله أن يحمل السفارة البريطانية على إلغاء هذه الحفلة لأن الغرض منها كان قد انكشف للناس جميعًا، وأصبح كل من يقبل دعوتها ملعونًا من الجماهير.

الدونجوان
تعددت علاقات” التابعي” النسائية حسبما ذكر البعض، قال عنه تلميذه الصحفي مصطفى أمين، أحد مؤسسي دار أخبار اليوم” كان عبقريًا إذا كتب.. وشابًا إذا عشق”.

كما ارتبط اسمه طويلا بالمطربة “أسمهان” حتى بعد وفاتها، حيث يعتبر أحد الذين اكتشفوا موهبة أسمهان الفنية مبكرًا، فكان حريصًا على تقديمها للناس. وعن ذلك قالت شريفة ابنته، في لقاء تلفزيوني ببرنامج “حكايات مصرية” على قناة “النيل الثقافية”، إن الفنانة الراحلة أسمهان توفيت في حادث سيارة عام 1944 أثناء سفرها لمدينة رأس البر فى دمياط لتصالح والدها “التابعي”، الذي كان خطيبها سابقًا، إذ جمعت بينهما علاقة حب وخطوبة فُسخت خلالها الخطبة عدة مرات.. وعندما علم أنها في الطريق إليه ركب القطار مع، كامل الحمامصي، للعودة إلى القاهرة، وقد تلقى خبر وفاتها بتبلد تام ولم يبكِ كما ذكر عدد من الصحفيين ممن يجهلون تاريخه، ولم يذهب للعزاء وإنما أرسل فقط برقية عزاء، وأكدت أن نشر والدها كتاب عن أسمهان، جاء بناء على وصيتها له بأن يروى قصتها حال وفاتها.

سجنه
سُجن التابعي مرتين في عهد الملك فؤاد وصدرت ضده أحكام في عهد الملك فاروق ولكنها لم تُنفذ، وكان الفنان يوسف وهبي، له دور كبير في ذلك حيث دفع عنه مبلغ الكفالة وقدره 50 جنيهًا، وهو ما ذكره التابعي بمقولة شهيرة “صديقي اللدود دفع لي الكفالة”، وقال عنه يوسف وهبي: “التابعي صديقي اللدود الذى يسقيني السم في برشامة”، وذلك لأنهما كانا يسهران معًا ثم يجد يوسف وهبي مقالًا منشورًا في الصباح يهاجمه، وعن موقفه من ذلك قال: “أُفضل أن يهاجمني التابعي في صفحة عن أن يمدحنى في سطرين أو ثلاثة.. لأن ده بالعكس بيشهرني”.

مؤلفاته
كتب التابعى 13 رواية، بالإضافة إلى ترجمة كتاب “مذكرات اللورد سيسل” خلال فترة العشرينيات، ومن أشهر مؤلفاته “من أسرار الساسة والسياسة”، وهي تعتبر السيرة الذاتية لأحمد باشا حسنين، وكذلك” أسمهان تروى قصتها”، و”بعض من عرفت” وهي مجموعة قصص من واقع الحياة، بالإضافة إلى “لماذا أقتل؟”، و”مذكرات موظف مصري”.

وفاته
رحل الصحفي الكبير محمد التابعي، يوم الجمعة 24 ديسمبر 1976، عن عمر ناهز الـ 80 عامًا، بعد مشوار طويل وحافل بالإنجازات في بلاط صاحبة الجلالة، والذي امتد نحو نصف قرن من الزمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق