ذاكرة الصحافة

أمينة شفيق لـ”المرصد”: مجتمعنا بطرياركي يعوق المرأة عن الوصول إلى المناصب القيادية في المؤسسات الصحفية

“الهانم” كما يطلق عليها جموع الصحفيين، إنها أمينة شفيق واحدة من أبرز الصحفيات اللاتي عملن في الصحافة المصرية، منتصف خمسينات القرن الماضي، اشتهرت بمواقفها السياسية والمهنية على مدار ثلاثة عقود كاملة.

وخلال حوارها مع مؤسسة المرصد المصري للصحافة والإعلام، استرجعت “الأستاذة” والكاتبة الصحفية الكبيرة أمينة شفيق، بعضًا من ذكرياتها في بلاط صاحبة الجلالة.

وإلى نص الحوار

ـ البعض وصفك إنك”نصيرة المرأة”، إحساسك بمعاناة المرأة في كتاباتك هل كان دافعه الظروف التي تعرضتي لها في طفولتك وحاولتي التعايش معها من انفصال الأب والأم، وانتقالك مع شقيقاتك فيما بعد للعيش مع جدك وجدتك؟ ولا كان هناك أسباب أخرى؟

أنا نشأت في أسرة برجوازية صغيرة، ولم تمنعني أى ظروف مريت بها على مواصلة مشواري في الدراسة ومن ثم العمل، وساعدني ذلك فيما بعد عندما عملت في مجال الصحافة والتحقت بمؤسسة الأهرام القومية.

وكان لوجودي في المجلس القومي للمرأة لمدة عشر سنوات كاملة أثره الإيجابي في دراسة قضايا المرأة دراسة وافية، بشكل ساعدني كثيرًا في تناولها بعدد من كتاباتي.

وأستطيع القول أن إحساسي بمعاناة المرأة لم أستشعر به حقًا إلا بعد ما كبرت ونضجت وسافرت جميع محافظات مصر تقريبًا، وطبيعي أن جاءتني الفرصة يومًا لزيارة القري الريفية، حيث ساعدني ذلك في التعرف عن قرب على وضع المرأة هناك مقارنة بمثيلاتها في المدن، وأيقنت تمامًا وبما لا يحتمل أى شك أن المرأة المصرية لازالت في حاجة إلى بذل المزيد من الجهد حتي يتم تمكينها على كافة المستويات اقتصاديًا وثقافيًا واجتماعيًا.

ـ فكرة إن البنت تخرج وتتعلم وتمارس حياتها بشكل طبيعي يمكن كانت صعبة أيام زمان، كيف استطاعت أمينة شفيق أن تحقق هذه المعادلة الصعبة، وإن حضرتك تختاري دراسة الصحافة وتشتغلي فيها فيما بعد أظن كانت مسألة غير سهلة بالمرة وقتها؟

بالعكس شايفاها كانت مسألة سهلة بالنسبة لي، خاصة وإن كان فيه نساء سبقوني في مجالات العمل المختلفة، وفتحوا أمامنا الباب، أنا حصلت على التوجيهية سنة 54، وأيامها كان المجتمع كله بيتطور، وقتها أتذكر إن عائشة راتب كانت رافعة قضية على مجلس الدولة عشان تتعين في الجامعة.

و كان فيه صفية المهندس وتماضر توفيق في الإذاعة و خيرية خيري وفاطمة رشدي في التمثيل، وطبعا سهير القلماوي وهي استاذة جامعية مرموقة وامينة السعيد الصحفية الشهيرة ، وكمان درية شفيق، وغيرهم كتير.

ولذلك أقدر أقول إني من الجيل الثاني في الصحفيات، فكانت الفرص متاحة أمامنا.

ـ هل هناك شخصية نسائية معينة تأثرتي بها وشجعتك على التفكير للعمل في مهنة الصحافة؟

بالطبع هناك أكثر من شخصية تأثرت بها في بدايات عملي الصحفي، منهم على سبيل المثال الكاتبة سهير القلماوي بمركزها الاجتماعي ومكانتها العلمية، والصحفية أمينة السعيد وتحريرها لباب (اسألوني) الشهير في مجلة المصور، فمن خلاله استطاعت إنها تساعد الناس على حل مشكلاتهم.

*هل حدث وفكرتي ذات مرة وحضرتك في بداية حياتك الصحفية أن تستفيدي من خبرة شخص سبقك في المجال ولتكن أمينة السعيد مثلا وتطلبي العمل معها أو ما شابه؟

أنا كنت راسمة لنفسي خط معين التزمت به طوال مشواري الصحفي وحتي اليوم، ولازلت أرى أن الفن الصحفي الجميل واللطيف الذي أحب العمل فيه هو “التحقيقات”. وطبيعي إني أتأثر بغيري لكن مش المفروض عشان أنا معجبة بأمينة السعيد أروح وأشتغل معاها؛ وبالمناسبة أنا وأمينة كنا أصدقاء رغم فارق السن بينا، وكنت حريصة دومًا على أن أقرأ ما تكتبه على صفحات مجلة المصور.

ـ الصعوبات أو المعوقات التي واجهتك في بداية عملك الصحفي كـ”فتاة” تعمل في مهنة الصحافة؟ كيف استطعتي التعامل معها وتمضي في طريقك؟

مفيش مهنة مالهاش صعوبات، لكن بشكل عام عملك كصحفية يحكمه التقيد بمواعيد معينة في أوقات مختلفة من اليوم لابد أن تلتزمي حيالها وتؤدي عملك كما ينبغي، وهذا هو ما تفرضه طبيعة المهنة نفسها، ولذلك أحيانًا الواحد مننا وقته مابيبقاش ملكه، وعليه أن يتعامل في كل الأحوال.

ـ قررتي تخوضي العمل النقابي لخدمة جموع الصحفيين، لمدة 28 سنة ترشحتي في أكتر من دورة وانتخبتي سكرتيرًا عامًا للنقابة؟ هل واجهك أى نوع من الاضطهاد او العنصرية لكونك امرأة؟

في جيلي أنا لم أشعر بأي نوع من التمييز بيني وبين زميلي الصحفي، ربما ذلك كان موجود بالفعل في أماكن أخري بخلاف التي عملت فيها؛ لما كنت في الأهرام ومن قبلها الأخبار كانت المعاملة بيني وبين زملائي عادية ولا يشوبها شيء، وأتذكر لما كنا في اجتماعتنا مع رئيس التحرير ونقترح مثلا إننا نشتغل على موضوعات بذاتها كان معظم الحاضرين يقولوا في نفس واحد” الموضوع الفلاني دا ما تعملوش غير أمينة شفيق.. مش عشان خاطر أنا ست ولا راجل بقي لكن عشان أنا بفهم فيه”، ولم يحدث أن تم منعي من المشاركة في منحة تدريبية مثلا كنت اتقبلت فيها في يوم من الأيام عشان أنا واحدة ست ماحصليش الحكاية دي وأنا ماشوفتهاش في جيلي إطلاقًا، وافتكر لما كانت تجي لي فرصة السفر بره أيام الأستاذ هيكل لم يكن يعترض بتاتًا، بل بالعكس كان يشجعني، ويشجع كل الصحفيين والصحفيات الموجودين في المؤسسة.

وتأكيدًا على ذلك أحب أن أشير إلى نقطة هامة في هذه الجزئية وهي إني استمريت أكثر من عقدين عضو مجلس نقابة، ولم يحدث أن جاءت زميلة صحفية وقدمت شكوى في النقابة بسبب اضطهادها في العمل بين زملاءها لكونها أنثي.

لكن بلاشك نحن نعيش في مجتمع ـ بطرياركي ـ ذكوري، بالطبع به الكثير من السلبيات، لا أحد يستطيع إنكارها أو تجاهلها.

ـ حضرتك كنتِ عضوة في حزب سياسي معارض”التجمع”، وفي نفس الوقت كنتِ بتشتغلي في الأهرام مع إنها جريدة قومية تابعة للدولة، كيف استطعتي تحقيق الحيادية بين الأمرين رغم التناقض الشديد بينهما بحيث إن أحدهما لم يؤثر على الآخر؟

شخصيًا؛ دائما ما أتمسك بفكري، “وأنا ما بحبش إلا كدا”، كل الناس عارفة إني واحدة يسارية لو قلت حاجة غير كدا الناس هتستغرب، ممكن البعض يشوف إن دا عِند، لكنه بالنسبة لي مبدأ.

أنا عمري ما كتبت حاجة ضد مبادئ اليسار، لكن الفكرة في طريقة كتابتها كانت إزاي، وما افتكرش في مرة حصل و كتبت حاجة تسببت فيها بإحراج الجرنال بتاعي”الأهرام”، وبالمناسبة دي حاجة شخصية فيا أحب أقولها” أنا ممكن كنت أكتب مقال بنفس المعني في الناحيتين لكن بطريقتين مختلفتين، يعني في الجرنال اليساري كان المعني المقصود بيبقي واضح جدا، لكن في الجرنال الحكومي طبعا اللي كنت بكتبه كان بيبقي واضح برضه بس بطريقة أهدي”.

وبشكل عام، أرى إنه طالما هناك صحف قومية تملكها الدولة لابد إذن أن تُفتح لكل التيارات السياسية فرصة الكتابة فيها دون موانع أو قيود تعرقل من حرية الفكر والتعبير.

ـ حضرتك سافرتي بورسعيد وغطيتي هناك أيام العدوان الثلاثي على مصر سنة 56 “تخفيتي في زي الصيادين” وانتِ لازلتي طالبة وصحفية تحت التمرين في مجلة الجيل، مش شايفة إنها كانت مخاطرة وقتها وياتري كانت محسوبة ولا شغف التواجد هناك ونقل ما يحدث كان هو الدافع الذي يحركك؟

أتذكر جيدًا أيامها إني روحت لموسي صبري في مكتبه لكي استشيره في الأمر، وكان رده إيجابي؛ قال لي “أنا موافق بس بشرط تاخدي معاكي حد من زمايلك الرجالة”، وسافر معايا وقتها زميلي أحمد بهجت، ولاننا كنا في الخمسينات؛ فكان فيه انفتاح عام في المجتمع، كان يفرح لما يلاقي ستات بتشتغل، واللي حصل إننا لما روحنا هناك بورسعيد التحمت مع أبطال المقاومة الشعبية، كنت بطبع المنشورات، وعلى فكرة فيه غيري اشتغل كتير في المقاومة لكن لم يلقي عليه الضوء، وهذا يحتاج إلى مؤرخ ليسجل ما حدث، والدولة تعلم كل شيء عن ذلك، والدليل على صحة كلامي إننا ببساطة لم نكن نستطيع دخول بورسعيد وقتها إلا من خلال القطار أو عبر بحيرة المنزلة.

*ومش شايفة حضرتك إن في دا خلط بين دورك كصحفية رايحة تعمل شغلها وبين كونك مواطنة بتشاركي في أعمال المقاومة؟

أنا مش شايفة أي خلط ولا حاجة،” دا كلام فارغ”، أنا واحدة رايحة في مهمة صحفية واكتشفت إن بلدي في خطر لما ألاقي الاستعمار قدامي في المدينة لازم طبعا أتحرك، ومع ذلك أنا لم أتخلي عن دوري كصحفية لاني لما رجعت كتبت كل اللي حصل، واللي عملته دا واجب عليا؛ واحدة بلدها احتاجتها في أمر زي دا تقول لأه عشان ما تخلطش بين دا ودا، يعني إذا افترضنا جدلا إن الدولة احتاجتني في مشروع محو الأمية أقولها لأه عشان أنا صحفية، هل هذا يعقل!

“مصر لها أولوية في حياة أى إنسان حتى لو كان إيه”.

ـ سنة 60 الرئيس عبد الناصر أصدر قرار لتنظيم الصحافة، والذي بمقتضاه تم تأميم الصحف، وقتها حضرتك كنتِ شايفة إنه سيحقق للصحافة نوع من الاستقرار، هل لا زلتِ على نفس موقفك؟

طبعا لازلت على موقفي؛ قرار تأميم الصحف هيحقق لها نوع من الاستقرار وهذا ما حدث بعدها؛ “الدولة وقتها كانت متجهة ناحية الحكاية دي فهي خدت الصحافة معاها وإحنا فعلا كان الفصل التعسفي أيامها قليل جدا.. لكن بالطبع كان فيه اضطهاد من الدولة ماكناش سمنة على عسل أوى لكن في النهاية كان فيه استقرار”، قبل التأميم كانت حالات الفصل كثيرة جدا ولم يكن هناك أى نوع من الاستقرار.

وطبعا كان فيه منع من الكتابة؛ أنا نفسي تعرضت لهذا الأمر لما اعتزلت من الاتحاد الاشتراكي وخرجت من الاهرام لكن فصل تعسفي ما افتكرش حصل معايا، مع إن الطبيعي كان فيه صراع، الصحفي اللي بيدور على حرية رأيه وتعبيره ويبحث عن قضايا وطنه لابد وأن يصطدم بالحكومة.

ـ باعتبار إن حضرتك اترشحتي في أكثر من دورة في انتخابات عضوية مجلس نقابة الصحفيين، شايفة إزاي العمل النقابي من وجهة نظرك كإمرأة صحفية تعمل في المجال؟

إذا كنتي عاوزة تبقي نقابية جيدة فلازم أولا تكوني بتحبي العمل النقابي وخدمة الناس في العموم، وعلى فكرة دا عمل جميل جدا جدا ، ومتعب جدا جدا جدا، ومع إنه كان عبء بالنسبة لي بس كنت بحبه؛ طبعا أخد من وقتي وجهدي ومن أسرتي وكل حاجة، وأتذكر إنه في لحظة من اللحظات كانت الحكومة بتعارضني وتحاول إنها تسقطني في الإنتخابات، ومع ذلك كنت بنجح، وطبعا يعني كان فيه صراع بيني وبين الدولة مش أنا وبس لكن مع مجموعات تانية، ولكن بشكل عام انا كنت بحب اخدم الناس وبحب العمل النقابي عشان كدا تحملته وانا مش شايفة ان في دا “تضحية” زي ما البعض ممكن يصفه، دي كلمة كبيرة أوي، واللي مش قد العمل النقابي وتبعاته ما يترشحش أفضل له.

كنت بخدم من خلاله زملائي عشان كنت بحبهم وهما كانوا بيحبوني وينتخبوني عشان كدا، ولما الحكومة كانت تقولهم ماتنتخبوش أمينة شفيق كانوا ينتخبوني.

*طيب أبرز المواقف اللي حضرتك تتذكريها أثناء وجودك في عضوية مجلس النقابة؟

كانت كل قضايا التحقيقات في النيابة أنا اللي كنت بحضرها وعمري ما خُنت ضميري النقابي في علاقتي مع أى حد؛ يعني أنا كنت نقابية هل يا تري أنا استفدت من جرنال الأهرام عشان أكون نقابية، أنا مستعدة يروحوا يفتشوا في حساباتهم ويعرفوا إذا كنت أخدت حق أكتر من حقي لما كنت نقابية ولا لأه .

أنا اتعلمت من الأستاذ هيكل إن النقابة دي حاجة، ووجودي في الاهرام كمحررة حاجة عادية جدًا زيي زي غيري؛ لا عمري أخدت علاوة ولا حتى مكافأة زيادة، بالعكس لما كان يبقي فيه اضطهاد أنا كنت أول المضطهدين، وعمري ما تعاليت مع زملائي عشان أنا نقابية، اطلاقا ما حصلش دا، واللي يحب العمل النقابي يروح ويشتغل فيه.

أنا قعدت في النقابة 28 سنة لم أقصر خلالهم في عملي المهني، يوميًا كنت أروح الأهرام بإنتظام وأعمل شغلي عادي فيها وكانوا يطلبوا مني تحقيقات وأنزل أعملها بدون تأفف أو ضجر.

وطبيعي إن النقابة كانت بتاخد مني وقت أطول، لكن عمري ما قولت لأه على حاجة عشان أنا في النقابة.

*لكن هل تعرضتي لاضطهاد أثناء فترة وجودك في النقابة؟

أنا دخلت الأهرام وكان فيه 5 مؤسسات صحفية لكن لما بقت قطاع خاص أنا في الطبيعي بعيدة عن علاقات العمل فيه، فما أقدرش أحكم عليها عشان كدا أنا سيبت النقابة سنة 99 لما لاقيت نفسي ما أقدرش أتعامل معاها، وأنا اتربيت في مؤسسة قومية بديهي إني ما أقدرش أتعامل مع غيرها.

لكن ممكن أقول إن الاضطهاد كان نابعه إني كنت مختلفة مع الحكومة ودا لانه أنا عندي مبادئ مختلفة عنها، يعني مثلا حكومة السادات عملت ما في وسعها عشان خاطر أسقط في النقابة ومعرفتش.

أما عن اضطهاد من الزملاء لم يكن هناك أى نوع من الغيرة المهنية او حتي المنافسة بيني وبينهم إطلاقا، وأنا بالتحديد لم أتعرض لهذا.

ـ نصايحك للصحفيات الشابات في الوقت الحالي؟

نصيحتي الوحيدة إنهم يقرءوا كتير لو كانوا عاوزين ينجحوا.

ـ المشاكل التي تواجه الصحفيات وتعوقهن عن الوصول للمناصب القيادية والادارية داخل الصحف وحتي عضوية مجلس النقابة، حضرتك شايفاها من أي منظور؟

مع الأسف المشاكل لا زالت قائمة؛ نحن مجتمع ذكوري بطرياركي مثلما سبق وذكرت، افتكر في مرة إن فيه زملاء اقترحوا إني أرشح نفسي في انتخابات النقابة على منصب النقيب؛ فكان ردي عليهم بنفس الحرف” انتم عُبط”، هذا مجتمع لن يقبل بذلك.

ولذلك نجد إن منصب رئيس التحرير في المؤسسات القومية على سبيل المثال يحتكره الذكور؛” ماعندناش ولا رئيسة تحرير.. ودا لاننا مجتمع ذكوري انتم مش فاهمينه فانتم أحرار دي مشكلتكم.. عشان كدا بقولك اقرءوا عشان تفهموا مجتمعكم”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى