ضحايا الصحافة

مايك دين.. مصور ألماني قُتل في “رابعة” (بروفايل)

أعلنت قناة “سكاي نيوز الإخبارية البريطانية”، الأربعاء 14 أغسطس 2013، عن مصرع مراسلها “مايك دين” الذي عمل لديها لمدة 15 عامًا، متنقلًا بين مكتبي واشنطن والقدس، إذ لقي حتفه إثر إصابته بطلق ناري في القلب أثناء تغطيته لأحداث فض اعتصامي مؤيدي جماعة الإخوان، والرئيس الأسبق محمد مرسي، في رابعة العدوية وميدان النهضة بالجيزة، ويعد “دين”، أول صحفي أجنبي يُقتل أثناء تغطية صحفية في مصر منذ بداية تسجيل لجنة حماية الصحفيين لمثل هذه الحوادث في مطلع التسعينيات من القرن الماضي.

كان مايك دين، مصور القناة البريطانية، أحد عناصر فريق عمل على تغطية الأحداث التي اندلعت في القاهرة، خلال فض اعتصامي رابعة والنهضة، وكان برفقة زميله سام كيلي المراسل في القناة لتوثيق الأحداث في القاهرة، وعقب وفاته تم ترحيله جثمانه على الطائرة الروسية المتجهة إلى زيورخ عبر مطار القاهرة الدولي، مساء الأحد الموافق 18 أغسطس 2018.

عقب مقتل “دين”، توالت ردود الفعل الدولية، إذ عبر وليام هيغ، وزير الخارجية البريطاني عن أسفه لمقتل دين، وأبدى تعاطفه مع عائلته وزملائه بعد هذه “الحادثة المأساوية”، وكان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، قد أشاد بالمصور الصحفي مايك دين عبر حسابه على تويتر قائلًا: “أنا حزين لسماع موت المصور مايك دين. خالص عزائي لعائلته وفريق عمل سكاي نيوز”.

فيما أدانت إيرينا بوكوفا، المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم اليونسكو، مقتل المصور مايك دين، ودعت المديرة العامة للمنظمة السلطات المصرية حينها إلى أن تبذل كل ما في وسعها لضمان سلامة الإعلاميين لحماية حرية التعبير وحرية الإعلام على وجه السواء.

وقد وصف جون ريلي، رئيس قناة “سكاي نيوز البريطانية”، المصور مايك دين بأنه من أفضل الصحفيين الذين عملوا لدى المحطة، مشيدًا بمهاراته كمصور، وشجاعته إذ كان أحد المراسلين الذي لديه الرغبة الدائمة للعمل في المناطق الخطرة في العالم من أجل نقل الأخبار إليهم. كما وصفه تيم مارشال، محرر الشؤون الأجنبية في سكاي، قائلًا: “كان صديقًا وشجاعًا مثل الأسد، ياله من رجل ذي قلب واسع وإنسان عظيم”.

عمل مايك المصور الصحفي البريطاني المعروف، الذي تجاوز عمره الستين، في العديد من المحطات الشهيرة والعالمية، أبرزها، محطة ITV الإخبارية وشبكة CNN كما قام بتغطية عملية “عمود السحاب” التي قامت بها إسرائيل ضد قطاع غزة في العام 2012، وجاء إلى مصر في ست زيارات خلال العام 2012 لتغطية الأحداث بها.

كان مايك، منشغلًا بتصوير مجموعة من النساء، اللاتي بدأن يتجمعن بالقرب من مسجد، رابعة العدوية، وبينما كان يلتقط صورة أخيرة، حيث هم الفريق المعاون له بالتحرك ومغادرة المكان، كانت رصاصة القناص أقرب إليه من التحرك فوقع قتيلا.

ونشرت صحيفة الجارديان البريطانية تقريرًا في 4 سبتمبر 2015 توضح فيه شهادة كريج سامرز، البالغ من العمر 56 عامًا، صديق المصور مايك دين، والذي كان يقف إلى جواره عندما تم إطلاق النارعليه، إذ قال أمام محكمة الطب الشرعي في ساوثوورك، إنه يعتقد أن صديقه كان مستهدفًا إلا أنه لم يعلم السبب، لافتًا أنه لم يكن هناك إطلاق للنار حولهم سواء قبل أو بعد قتل صديقه، مضيفًا أنه ليس لديه أدنى فكرة عن مصدر الرصاصة ولم يسمع صوتها، وإنما علم بمقتل صديقه عندما التفت إليه وأخبره بأنه تم قنصه، وحينها رأي الدم يتدفق خلال قميصه من الشق الأيسر أسفل صدره.

كما أخبر سامرز، مدير عمليات الأمن في محطة سكاي نيوز التلفزيونية في ذلك الوقت، المحكمة بأن جميع معدات السلامة الخاصة بطاقم العمل تم مصادرتها في مطار القاهرة باستثناء خوذاتهم، وكانت هذه المعدات تشمل سترات مضادة للرصاص مصممة لتحمل رصاص القناصة.

وأوضح كريج سامرز أن أشخاصًا من جماعة الإخوان المسلمين نصحوهم بعدم ارتداء الخوذة حتى لا يتم استهدافهم من قِبل قناصة الحكومة، مؤكدًا أنه عند إصابة صديقه حاول فريق العمل إنقاذه في بيئة وصفها بـ”الفوضوية”، وذهبوا به إلى المستشفى الميداني والتي كانت على بعد 30 أو 40 خطوة، وأوضح الأطباء أنه يعاني مشكلة في صدره وربما تهتكًا في الرئة، ثم قامت سيارة الإسعاف بنقله إلى مستشفى مدينة نصر، ووُضع في غرفة العناية المركزة إلا أن الأطباء لم يتمكنوا من إنقاذه.

ولفت مدير عمليات الأمن في محطة سكاي نيوز أنه لم يصب أي عضو آخر من فريق عمل سكاي نيوز رغم إصابة العديد من الصحفيين الآخرين من جميع أنحاء العالم، بالرصاص أو بجروح خلال هذا اليوم.

وخلصت القاضية لورنا تاغليافيني إلى أنه على الرغم من أن سبب الوفاة هو إصابته بطلق ناري واحد في الصدر، فإنها شعرت بأنها غير قادرة على الوصول إلى سبب للقتل غير القانوني، قائلة إنه للتحقق من هذا الأمر فلابد من أن تكون على يقين بأن جميع مسؤولي العملية الإجرامية للقتل العمد أو دون قصد، قد تم التحقق منهم.

وتابعت أن مصدر الرصاصة لم يكن معلومًا فضلًا عن عدم معرفة الدافع من وراء إطلاق النار، وفي حال تم استبعاده من استهداف قتله، فمن الممكن أن الرصاصة كانت تقصد هدفًا آخر، وربما كانت بهدف تخويف السيد “دين”.

وفي نهاية الجلسة قالت إن ما حدث لـ”مايك دين” يتمثل في إطلاق النار عليه وإصابته بجروح قاتله خلال قيامه بمهام عمله كمصور في القاهرة، موضحة ببعض الكلمات تعازيها الشخصية للسيد دين ولعائلته وأصدقائه.

وفي ذكرى مرور عام على وفاة زوجها، كتبت الكاتبة دانييلا دياني، أرملة الصحفي مايك دين، مقالًا لها، بصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، وصفت فيه كيف قُتل زوجها بدم بارد من قبل قناص من قوات الجيش التي فضت الاعتصام فقالت: “زوجي مايك، كان هدفًا سهلًا لقناصة الجيش المصري المتواجدين على بعض أسطح العمارات على بعد ميل واحد، فهو ضخم البنيان وأشقر مما يجعله مميزًا عن بقية المتظاهرين، وكان متواجدًا وسط بحر هائج من المتظاهرين، ويحمل كاميرا تليفزيونية ضخمة. أعتقد أن  قوات الأمن لم يرق لها رؤيته هناك، لذلك قرروا قتله”.

وبحسب أرملة المصور الصحفي، فإن قوات الجيش والشرطة في مصر لم تعترف أبدا بقتله، كما أن التحقيقات الشكلية التي جرت من قبل الطب الشرعي بعد مقتله لم تفض إلى شيء، وقد وصفت دانييلا دياني لحظة معرفتها بمقتل زوجها، عندما اتصلت بها قناة “سكاي نيوز” هاتفيًا لتقول لها إن مايك، مصور الشرق الأوسط في القناة وشريك حياتها منذ 35 عامًا، قد قتل. وقالت: شعرت بألم لم أشهده من قبل، ولم أشعر بالنصف الأسفل من جسدي، مضيفة أنه بعد مقتله بعدة أشهر: “كنت أشعر بالمعانة، فأتطلع في وجوه الناس وكأنني أبحث عنه”.

وكانت لجنة حماية الصحفيين بالتعاون من خمس منظمات حقوقية اعدت تقريرًا لرصد الانتهاكات المقترفة ضد الصحفيين، وكان التقرير قد أوضح مايك دين، مصور سكاي نيوز البريطانية، استشهد بطلق ناري خلال فض اعتصام رابعة العدوية، ولم يتم فتح تحقيق رسمي في الواقعة.

ونشرت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا تقريرًا توضح فيه ما قالته منظمة “فريدوم هاوس” الدولية غير الحكومية بأن عام 2013 شهد “انتكاسة كبيرة”، مصنفة مصر على أنها دولة “غير حرة” في مجال الحريات الصحفية. كما صُنّفت مصر في المرتبة 158 من أصل 179 في الترتيب العالمي لحرية الصحافة بحسب منظمة “مراسلون بلا حدود”.

ولد المصور البريطاني مايكل دوغلاس دين، والمعروف باسم مايك دين، في هانوفر بألمانيا، عام 1951، عاش بنورثامبتونشاير، ونجا من معاناة مع مرض السرطان، ورحل عن الحياة تاركًا زوجة واثنين من الأبناء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى