ضحايا الصحافة

في الذكرى الخامسة .. طلق بالرأس أسقط كاميرا ميادة أشرف (بروفايل)

كانت تحلم بنقل صوت الناس من خلال عملها الصحفي الذي كان سبيلها لتحقيق هدفها إلا أن طلق في الرأس حال بينهما إذ باغتت الصحفية الشابة، ميادة أشرف، الاثنين 28 مارس عام 2014 رصاصة أثناء قيامها بتغطية صحفية تم تكليفها بها من قِبل جريدة الدستور التي عملت بها، لتصبح التغطية الأخيرة في مسيرتها المهنية، حيث أوضح تقرير الطب الشرعي أن الطلقة استقرت خلف صوان الأذن بالضبط، لتخرج من يمين الوجه، ما أدى إلى تهتك في المخ وكسر في الجمجمة، فتوفيت على إثرها، قبل أن تبلغ الثالثة والعشرين من العمر.

تلقى أشرف رشاد يوسف، والد ضحية الصحافة خبر مقتل ابنته ميادة، يوم الاثنين الموافق 28 مارس 2014 في تمام الخامسة عصرًا من خلال اتصال تليفوني عن طريق أحد زملائها، فتوجه إلى عزبة النخل، واستلم جثمان ابنته من مستشفى هيليوبليس، وأفاد والدها خلال حديثه مع الإعلامي محمود سعد، مقدم برنامج آخر النهار، أن الشخص الذي حمل جثمان ابنته باغتته طلقة أيضًا. 

عن الواقعة

تعود واقعة قتل ميادة إلى 28 مارس 2014، -حسب رواية صديقتها أحلام حسنين الشاهدة الوحيدة على الواقعة- خلال تأديتها لعملها الصحفي، في تغطية ما عرف إعلاميًا باسم “أحداث عين  شمس”، حيث أكدت أنها كانت في تغطية مسيرة خرجت من المطرية، ووصلت حتى “مزلقان” منطقة عين شمس والتي كانت فيها ميادة والتقوا في منطقة النعام، ووقعت اشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين، فأطلق عناصر الأمن، الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، إضافة إلى الرصاص الحي، وتوضح “حسنين” أنهم كانوا آخر صفوف الإخوان إذ كانوا في المقدمة، وقوات الأمن كانت تسير من الخلف، وباغتت “ميادة” طلقة من الخلف لكنها تؤكد أنها لم ترَ مُطلِق الرصاصة.

وتابعت صديقتها  أحلام خلال تقرير مصور مع شبكة “رصد” الإخبارية، “أنهم جلسوا في زاوية “مسجد” وعندما علموا بخروج الداخلية من الشارع خرجوا بجثمان “ميادة”، وجلسوا بمسجد الشيخ عبيد بمنطقة عين شمس ما يقارب الساعتين، إلى أن وصل زملائهم الصحفيين من الجريدة، ووصلت سيارة الإسعاف والتي لم تدخل إلا في وجود قوات الأمن أمام المسجد، وقامت بنقلها إلى مستشفى هيليوبليس”.

وحُمل الجثمان في الثالثة والنصف فجرًا إلى قرية “إسطنها”، التابعة لمركز الباجور، بمحافظة المنوفية، ليواري جثمانها الثري.

شغف مهنة

سبق لـ”ميادة” أن تم احتجازها من قِبل أنصار جماعة الإخوان، في نوفمبر 2013،  وذلك أثناء تغطيتها اشتباكات دارت في حرم جامعة الأزهر؛ إذ تم إجبارها على مسح بعض الصور ومقاطع الفيديو التي قامت بتصويرها، ثم أُطلق سراحها بعدها، ورغم ذلك ظلت “ميادة” تؤدي عملها وكأن شيئًا لم يكن، بل استمرت في أداء عملها يوم مقتلها فكان آخر خبر أرسلته بعنوان “الإخوان يطلقون الرصاص على الأهالي بعين شمس”.

من الجاني؟

وجهت النيابة اتهامات لـ 48 شخصًا من أنصار جماعة الإخوان، بالتورط في مقتل “ميادة”، بعد ما  كلف النائب العام، رئيس نيابة استئناف القاهرة حينها، المستشار عبد الهادي محروس، بمباشرة التحقيقات في الواقعة، وتضمن البلاغ، أن الصحفية أحلام حسنين، التي كانت تقف بجوار الصحفية ميادة أشرف وقت إصابتها، أدلت أمام النيابة العامة بأن الأعيرة النارية التي أصابت المجني عليها، جاءت من اتجاه قوات الشرطة المتمركزة في منطقة الأحداث.

وفي 15 سبتمبر 2016، بدأت الدائرة 11 بمحكمة جنايات القاهرة، المنعقدة بمعهد أمناء الشرطة، برئاسة المستشار محمد شيرين فهمي، انعقاد أولى جلساتها لنظر قضية قتل “ميادة”، واستمرت الجلسات في التأجيل مرة تلو الأخرى؛ لأسباب مختلفة تتعلق بالإجراءات القانونية للمحاكمة.

وفي 13 فبراير 2017، قررت المحكمة وقف سير المحاكمة لحين الفصل في طلب رد هيئة المحكمة، إلا أن الطلب قُوبل بالرفض، حيث قضت محكمة استئناف القاهرة “دائرة الإرهاب”، برفض دعوى الرد والمخاصمة المقامة ضد المستشار محمد شيرين فهمي رئيس المحكمة، وقررت تغريم مقيم الدعوى مبلغ 6 آلاف جنيه، وذلك في الخامس من مارس 2017.

وبتاريخ 11 فبراير 2018،  أسدلت  محكمة جنايات القاهرة، المنعقدة بمعهد أمناء الشرطة بطره، برئاسة المستشار محمد شيرين فهمى، الستار على قضية مقتل الصحفية ميادة أشرف، حيث أصدرتحكمها بالسجن المؤبد لـ17 متهمًا، والسجن المشدد 15 سنة لـ9 متهمين، والسجن المشدد 10 سنوات لـ3 متهمين، والسجن المشدد 7 سنوات لـ3 آخرين، والسجن 10 سنوات لحدث من عناصر لجان العمليات النوعية لجماعة الإخوان، بتهم ارتكاب أحداث عنف بمنطقة عين شمس أسفرت عن مقتل الصحفية ميادة أشرف وآخرين.

وبذات يوم إعلان الأحكام في قضية ميادة أشرف، نشرت جريدة المصريون، تعليق محمد أشرف شقيق الصحفية ميادة، إذ قال في تدوينة له عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك: “حسبي الله ونعم الوكيل، والله العظيم من أول يوم وأنا عارف إن حق أختي مهو راجع بعد 1412 يوم، وفي الآخر ناس مؤبد وناس 15 وناس 7 وناس براءة حسبي الله ونعم الوكيل حسبي الله ونعم الوكيل حسبي الله ونعم الوكيل حقك يا ميادة عند ربنا أحن علينا من أي حد وأنتي قولتي آخر كلمة طبطب عليا يارب وربنا ريحك من البلد إلي إحنا فيها دي حسبي الله ونعم الوكيل”.

وفي 8 ديسمبر 2018، حددت محكمة النقض جلسة 21 فبراير 2019 كأولى جلسات نظر طعن المتهمين في القضية المعروفة إعلاميًا بقتل الصحفية ميادة أشرف على الأحكام الصادرة من الجنايات بالمؤبد والمشدد، وينظر الطعن أمام دائرة الخميس “ب”، وذلك –حسب ما نشر موقع اليوم السابع-.

وبجلسة 21 فبراير 2019، قررت محكمة النقض، تأجيل نظر طعون المتهمين في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«مقتل الصحفية ميادة أشرف»، على أحكام السجن المؤبد والمشدد ضدهم، لجلسة 18 أبريل؛ لاستمرار المداولة.

أقاويل حول الواقعة

اتهمت والدة الصحفية ميادة أشرف، الداخلية بقتل ابنتها، وذلك خلال اتصال هاتفي لها، مع الإعلامي وائل الإبراشي، في برنامج العاشرة مساءً، المذاع على قناة “دريم2” الفضائية الخاصة، إذ قالت: “الداخلية لم تأخذ بشهادة صديقتها أحلام حسنين وزميليها محمد رسمي وعلاء أحمد، مضيفة أنه لم يتم التحقيق مع أي فرد من الشرطة”.

وفي مايو 2015، قال والد ميادة أشرف خلال استضافته، في برنامج العاشرة مساء، المذاع على فضائية “دريم2”  الخاصة، مع الإعلامي وائل الإبراشي، “حسب تحليلي المتواضع، وفقًا لكلام أحلام فإن الشرطة كانت في الخلف والرصاصة كانت في رأس ميادة من الخلف، فأنا أتهم الشرطة بقتل ميادة، مضيفًا: أنا رجل عسكري، وأقدر المسؤولية، فهناك إهمال في حق ميادة”.

تكريم ميادة

كان من المقرر أن تحتفل  كلية الإعلام جامعة القاهرة في 17 أبريل 2014 بتخريج دفعة الصحفية ميادة أشرف، وتسمية الدفعة باسم “دفعة أ.د عواطف عبدالرحمن”، إلا أنه نظرًا لتزامن هذا التاريخ مع عيد ميلاد ميادة والأربعين، فقد تقدمت زميلاتها بطلبات للكلية لتأجيل الحفل، فقررت الكلية الاحتفال به يوم 17 يونيو 2014، وتسميتها باسم “دفعة الدكتورة عواطف عبدالرحمن والشهيدة ميادة أشرف”.

قالوا عنها

نرمين عشره، رفيقتها في المدينة الجامعية، تصف ميادة بأنها كانت “مرحة الروح، وبشوشة الوجه، وجميلة الطباع”، مضيفة أنها ” كانت طموحة وتحلم بكل ما هو جميل”، مؤكدة أنها إنسانة عشقت الحياة وكانت تتمنى أن يمتد بها العمر لتشهد بلادها في أفضل حال، وتضيف نرمين “كنت أتمنى أشوف ضحكتها يوم تخرجها، ولكنها تخرجت من الدنيا بأسرها وأتمنى أن تكون في هذا اليوم في أسعد حالٍ منا”.

أما نهال عبد المجيد، زميلة ميادة في مشروع تخرجها، تؤكد أنها كانت صاحبة ضحكة مميزة جعلتها تدخل في قلوب الجميع، مضيفة أنها “كانت بتتمنى إنها تشتغل صحافة حرة بجد، بدون أي ضغوط أو إملاءات، وكانت بترفض بشدة فكرة إن حد يقيد قلمها”، وتضيف “منساش طريقة كلامها عندما كانت تعرض مشروع تخرجنا على قناة فضائية، وإزاي حسستنا بإننا عملنا حاجة بجد”.

سارة فوزى، إحدى أوائل دفعة ميادة، تقول: “أنا لن تتكلم عن ميادة الإنسانة، ولكن سأتكلم عن ميادة الرمز الذي ينبغي أن نتذكره ليل نهار، لأن حادثة ميادة تدفعني للحديث عن المؤسسات الإعلامية التي تستغل طموح المتدربين ورغبتهم في الشهرة وإثبات الذات كي تحقق مآربها، فرغم علمنا بأنه لا يوجد خبر يستحق حياة صحفي إلا أن تلك القاعدة في مصر باتت حياة الصحفي تستحق أموال المساهمين أو المتبرعين أو ملاك الجريدة الذين يدفعون لأجل الحصول على السبق والانفرادات”، مضيفة أن “الغريب أن الصحفي ذاته لا قيمة له ولا دية له في مجتمع بات الدم بالنسبة له سائل أحمر أكثر من كونه جوهر وروح إنسان تُسلب منه” –حسب قولها-.

ذكرى مقتل ميادة

وفي الذكرى الأولى لمقتل ميادة، قال محمد أشرف، شقيقها، إن “يوم فراقها كان أقسى يوم في حياته، خاصة أنه أول من عرف خبر وفاتها في العائلة، التي لازمت الحزن منذ ذلك اليوم”. ومن خلال منشور له على موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك، قال: “إنه لم يعد يشكي همومه لأحد بعد وفاتها، لأنه لم يكن يشكو إلا لها، فكيف سيعيش السنين القادمة من دونها”.

وأعلن نقيب الصحفيين -آنذاك- يحيى قلاش، منح درع النقابة إلى أسرة الصحفية ميادة أشرف، في الذكرى الأولى لقتلها، كما طالب “قلاش”، رئيس الوزراء، المهندس إبراهيم محلب -آنذاك-  بضم الصحفية ميادة أشرف إلى قائمة الشهداء، معتبرًا أن ذلك أقل ما تستحقه في ذكراها الأولى.

وفي أبريل 2015، طالب أشرف رشاد، والد الصحفية ميادة، بضمها لشهداء الثورة، ومنح أسرتها معاشًا استثنائيًا، جاء ذلك خلال الوقفة الاحتجاجية التي نظمها عدد من الصحفيين، على سلالم نقابة الصحفيين، في الذكرى الأولى لوفاتها.

وبعد أيام من مقتل ميادة، نشر صديقًا لميادة صورة لها وهي تمسك لوحة مكتوب عليها “الكاميرا لا تزال في أيدينا يا حسيني، ومكملين إن شاء الله”، إذ أوضح أنه كان قد التقطها لها في 5 ديسمبر 2013، في الذكرى الأولى لمقتل الحسيني أبو ضيف، في نفس المكان الذي قُتل فيه، وفي ذكراها الأولى قال إنه قد قام باستخدام نفس اللوحه في وقفه صامته على روحها بنقابة الصحفيين بعد أيام قلائل من استشهادها لكنه كتب اسم ميادة فوق اسم الحسيني أبو ضيف.

وفي الذكرى الثانية لمقتل ميادة في مارس 2016، طالبت والدتها، عزة رمضان، بإدارج ابنتها ضمن شهداء الثورة والجيش والشرطة، ومنحها كافة المزايا التي يحصل عليها ذويهم، وصرف معاش استثنائي لأسرتها، مضيفة أن ميادة قتلت أثناء أداء واجبها الصحفي من أجل إظهار الحقيقة، بعد أول بيان أعلن فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي عزمه الترشح في الانتخابات الرئاسية، لذا فأقل حقوقها أن تعامل مثل غيرها من ضحايا الصحافة.

رسالة للرئيس السيسي

وفي مارس 2015 أرسلت عزة رمضان، والدة “ميادة” رسالة للرئيس عبدالفتاح السيسي، قائلة: “بنتي من 367 يوم لم يأت أحد بحقها، خرجت علشان السيسي يبقى رئيس، أطالب الرئيس السيسي بأن يأتي لي بحق ابنتي، شيماء الصباغ الناشطة الحقوقيه بعد شهرين من موتها، أُحيل المتورطين في قتلها إلى المحاكمة، أما بنتى الصحفية، لم يأتوا بحقها حتى الآن”.

لن ننسى

بداية من مقطع الفيديو الذي تظهر فيه “ميادة” بشكل سريع، مع أصدقائها، مرورًا بعدد من الفعاليات التي قام بها أصدقاء ميادة من الصحفيين أو غيرهم، لم يغفل أحد أن يتناول القضية بشكل من الأشكال سواء على سلالم نقابة الصحفيين أو في مسيرات عادية.

الميلاد والنشأة

ولدت ميادة أشرف رشاد، في 18 مارس 1992، بمحافظة المنوفية، حاصلة على بكالوريوس الإعلام جامعة القاهرة، دفعة 2013، بدأت العمل الصحفي من السنة الدراسية الثانية بكلية الإعلام، وعند مقتلها خلال تأدية عملها كانت على قوة جريدة الدستور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق