ضحايا الصحافة

أحمد محمود.. أول ضحايا الصحافة في ثورة 25 يناير (بروفايل)

وُلد الصحفي أحمد محمد محمد محمود في 8 فبراير 1972 بمحافظة القاهرة، تخرج في كلية التجارة، لكنه كان مولعًا بالصحافة، فالتحق بالعمل كصحفي بدار التعاون قبل دمجها مع مؤسسة الأهرام الإعلامية، وتمكن من الحصول على عضوية نقابة الصحفيين بعد تعيينه بجريدة التعاون.

كان “شاربًا للمهنة” -على حد وصف زوجته، إيناس عبد الدايم، في الحوار الذي أجرته معها مؤسسة “المرصد المصري للصحافة والإعلام”، وكان يحلم بأن يمتلك دارًا للنشر. وبالفعل أنشأ دار “اللطائف للنشر” في عام 2000، ونشر كتبًا كثيرة متنوعة، بين الثقافة والفن وكتب الأطفال. وقد كان “أحمد” دائم السفر إلى الدول العربية لحضور معارض الكتب لتسويق إصدارات دار النشر الخاصة به.

لم يكن أحمد محمود، مجرد صحفيًا يؤدي ما يطُلب منه فحسب، بل كان شغوفًا بالصحافة إلى أبعد الحدود، لدرجة أنه كان يُوثق الأحداث أينما وجُد؛ يقوم بتصويرها أو كتابتها. في صباح يوم 29 يناير 2011، أبان أحداث ثورة يناير، توجه أحمد إلى مكتبه بدار اللطائف للنشر الكائن في ميدان لاظوغلي بالقرب من مبنى وزارة الداخلية، وكانت الأحداث مشتعلة آنذاك. وبينما هو يجلس في مكتبه إذ تعالت أصوات الهتافات، لتصل إلى مكتبه، وتستنفر حسه الصحفي، ليقوم “أحمد” من شباك مكتبه بواسطة هاتفه المحمول، بالتقاط الصور في محاولة منه لتوثيق أجواء الاشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين.

وتروي “عبدالدايم” “أنه حينما كان يلتقط “أحمد” الصور -وفقًا لروايات الأشخاص الذين تواجدوا في المكان- طلب منه ضابط شرطة برتبة نقيب أن يتوقف عن التصوير. وخلال لحظات، باغتته رصاصة هذا الضابط، لتستقر في رأسه. ووسط هذه الأحداث، كان أحد الموظفين العاملين معه في الدار، قد ذهب لشراء بعض الاحتياجات، وفي طريقه شاهد ما حدث، فصعد إلى المكتب مسرعًا، ليجد الصحفي أحمد محمود، على الأرض، تسيل الدماء من رأسه، فأخذه إلى المستشفى، ليبقى في الغيبوبة لمدة خمسة أيام”.

لقد أحدثت الرصاصة نزيفًا في المخ لم يستطع الأطباء إيقافه، ليفارق الحياة بعدها في الثالث من فبراير 2011، عن عمر ناهز الـ39 عامًا، تاركًا خلفه زوجته وابنته نورهان ذو الـ 10 أعوام.وتابعت زوجته أنه خرجت جنازة مهيبة لجثمانه من مشرحة زينهم في الثالث من فبراير 2011، مؤكدة أن أسرته رفضت تشريح جثته لاعتبار أن الواقعة كانت واضحة.

وفي السابع من فبراير من نفس العام، قرر زملاؤه الخروج بجنازة رمزية كنوع من التضامن مع زميلهم وتكريمًا له من أمام مقر نقابة الصحفيين إلى ميدان التحرير، رافعين صورة زميلهم، الذي كان أول ضحايا الصحافة.

  • حلم لم يكتمل

تحكي إيناس عبد الدايم زوجة الصحفي أحمد محمود أنه كان يحلم بأن تصير ابنته خلفًا له في دار النشر وأن تلتحق بكلية الإعلام قسم الصحافة إلا أن ابنته نورهان التحقت بكلية الحقوق في عام 2018 ، حبًا في القانون، ورغبة في الدفاع عن الحقوق. ومن بين حكايات الصحفي مع ابنته كما تروي زوجته أنه كان يقول لها إنها نائب رئيس مجلس الإدارة، مشجعًا لها على إدارة دار النشر.

  • دور نقابة الصحفيين

بعد وفاته قامت نقابة الصحفيين، برئاسة مكرم محمد أحمد، نقيب الصحفيين -آنذاك- بتقديم بلاغ للنائب العام، تطالب فيه باتخاذ الإجراءات الكفيلة بالقصاص العادل ممن تسببوا في قتل أحد أعضائها أثناء قيامه بمهام عمله الصحفي.

وبالتزامن مع تنظيم حفل تكريم لأسرة الزميل أحمد محمود، في ذكرى مرور عام على مقتله. قرر مجلس نقابة الصحفيين، برئاسة نقيب الصحفيين ممدوح الولي، اختصام وزير الداخلية أمام النيابة العامة، لرفض الوزارة تقديم الضابط المتهم في واقعة قتل الصحفي أحمد محمود للعدالة. كما قرر المجلس التوجه بكامل هيئته إلي مكتب النائب العام، يوم الأحد الموافق 5 فبراير 2012، لتقديم طلب بتسريع التحقيقات في القضية.

وقد قررت نقابة الصحفيين، تعليق لوحة تذكارية رخامية، نقش عليها اسم الصحفي، وعُلقت داخل مقر النقابة، شملت صورته، وظروف استشهاده. وكانت النقابة قد رسمت صورة جرافيتيه للصحفي أحمد محمود على حائط النقابة إلا أنه مع كثرة ضحايا الصحافة قام أحد مسؤولي النقابة بمسح الصور كلها، لكن إيناس عبدالدايم، زوجته،  ذهبت لمقر نقابة الصحفيين لتعبر لهم عن حزنها لمسح الصورة وأنه لابد من إعادة رسمها، فقامت النقابة برسم الصورة مرة ثانية على يسار حائط النقابة.

كانت نقابة الصحفيين في ذلك الوقت قررت منح أسرته معاشًا استثنائيًا، إلا أن “عبدالدايم”، أكدت في حديثها لـ”المرصد” أنهم لم يحصلوا على أي معاش من النقابة.

  • تضامن دولي

في 12 فبراير لعام 2011، أدانت اليونسكو قتل الصحفي أحمد محمود، على لسان المديرة العامة للمنظمة، إيرينا بوكوفا، إذ قالت في بيان لها: “أدين اغتيال الصحفي أحمد محمد محمود، ونرى أن أعمال العنف التي يتعرض لها الصحفيون انتهاك للحق الأساسي في حرية التعبير، وهي تمثل بالتالي تهديدًا مباشرًا للديمقراطية. كما ينبغي تمكين وسائل الإعلام من الاضطلاع بمهامها في ظروف آمنة بغية إثراء الحوار الحر والمستقل، وأضافت قائلة: “إنني أعول على السلطات المصرية لتقوم بكل ما في وسعها من أجل الكشف عن ملابسات هذه الجريمة وإحالة المسؤولين إلى القضاء”.

  • تطورات القضية

قالت إيناس عبدالدايم، زوجة الصحفي أحمد محمود، إن القضية بتطوراتها كانت تسير بشكل جيد، وإن النيابة قامت بإحضار الضباط المناوبين في ذلك اليوم، كما طالبت أيضًا بإحضار الشهود، فحضر واحد على الأرجح -حسب قولها- ولم يستطع التعرف على أحد. وتعتبر زوجته أن القضية تم إغلاقها منذ تم تبرئة الرئيس الأسبق حسني مبارك ووزير داخليته الأسبق حبيب العادلي في قضية قتل المتظاهرين.

وفي يوم الثلاثاء، الموافق 1 أبريل 2014، استكملت محكمة جنايات القاهرة، جلسات محاكمة الرئيس الأسبق حسني مبارك ونجليه علاء وجمال مبارك، ووزير داخليته الأسبق اللواء حبيب العادلي ومساعديه الستة، بتهمة التحريض والاتفاق والمساعدة على قتل المتظاهرين السلميين إبان ثورة 25 يناير، وإشاعة الفوضى فى البلاد وإحداث فراغ أمنى فيها.

وفي هذه الجلسة قال دفاع “العادلى” إن القضية بها مجني عليه يدعى “أحمد محمد محمود” صحفى، قيل إنه قتل أثناء قيامه بتصوير الضابط الذى قتله باستخدام جهازه المحمول، وأن النيابة العامة حصلت على هذا الجهاز المحمول وبه صورة الضابط القاتل، متسائلًا لماذا لم تعرض النيابة صورة ذلك الضابط ولم تستدعيه وتسأله عن محرضه وهل صدرت له أوامر من مرؤسيه بقتل المتظاهرين من عدمه؟.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق