الاصداراتبرنامج الحريات الاعلامية

الصحافة في يومها العالمي بين قبضة الرقيب وغياب المعلومات (تقرير)

مقدمة

حلَّت الذكرى الثامنة والعشرين للاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة مُسجِّلةً أسوأ الأعوام على حرية الصحافة والعاملين بالمجال الصحفي على مستوى العالم.

ذلك بحسب لجنة حماية الصحفيين الدولية، والتي أشارت في تقريرها عن اليوم العالمي لحرية الصحافة، الثالث من مايو من كل عام، أن 262 صحفيًا تعرَّضوا للسجن في مختلف بلدان العالم في 2017 فقط، بواقع %51 في كُلٍ من تركيا والصين ومصر.

وهو أيضًا ما رصدته منظمة مراسلون بلا حدود في تقريرها السنوي الأخير حيث احتلت مصر المرتبة 161 من إجمالي 180 دولة على مستوى العالم في مؤشر حرية الصحافة.

 وأشارت المنظمة في تقريرها إلى أن مصر وتركيا وقعتا فيما أسمته المنظمة بـ“رُهاب الإعلام” من خلال توجيه اتهامات جزافية لكل الصحفيين المختلفين معهم بالإرهاب والزج بهم إلى السجون.

وفي إطار هذا السياق العالمي الخانق لحرية الصحافة والعمل الصحفي يُحاول “المرصد المصري للصحافة والإعلام” أن يُبرِز أهم ما شهده المجال الصحفي والإعلامي المصري خلال هذا العام من واقع رصد التغيرات الحادثة على المنظومة التشريعية والقانونية الخاصة بالصحافة والإعلام، وكذلك التغيُّرات الهيكلية وما أحدثته من تأثيرات على مناخ العمل الصحفي والإعلامي، مرورًا بعرض نماذج من الانتهاكات خلال هذا العام، مع محاولة فهم أنماط وتوجهات تلك الانتهاكات.

وذلك كله اعتمادًا على ما رصدته وحدة الرصد والتوثيق بالمرصد المصري في الفترة بين 1 مايو 2017 وحتى 1 مايو 2018.

هياكل جديدة لاستعادة سيطرة الرقابة على النشاط الإعلامي

ربما يُمكننا القول أن سلطة ما بعد 3 يوليو 2013 أدركت مُبكرًا الأهمية الكبيرة للتليفزيون في التأثير على الرأي العام المصري وصناعة المواقف وحشد الجمهور والتأثير فيه بشكل أكبر من أي شيئ آخر، لذلك وجدنا استراتيجية شبه متكاملة لإعادة ترتيب مجال الصحافة والإعلام من خلال منظومة مؤسسية وتشريعية جديدة، ففي 2014 ألغى الدستور المصري وزارة الإعلام والمجلس الأعلى للصحافة واتحاد الإذاعة والتلفزيون واستبدلهم بمجلس أعلى لتنظيم الإعلام وهيئتين وطنيتين إحداهما للصحافة والأخرى للإعلام وذلك وفقًا للمواد (211،212،213) على الترتيب.

 

المجلس الأعلى للإعلام

تأتي الذكرى السنوية لليوم العالمي لحرية الصحافة هذا العام قريبة جدًا من مرور عام على إنشاء المجلس الأعلى للإعلام الذي أنشئ في أبريل من العام 2017 وتولي الكاتب الصحفي مكرم محمد أحمد رئاسته، ويبدو أننا نستطيع القول أن المجلس الأعلى للإعلام وبعد مرور سنة على إنشاءه، اقتصرت أدواره على التقييد والرقابة على العمل الصحفي والإعلامي دون أي اهتمام بمهام تنظيم المهنة.

فمازال قانون الصحافة حبيس الأدراج البرلمانية رغم الانتهاء من إعداده منذ ثلاثة أعوام تقريبًا، وكذلك التأخير الغامض لقانون حرية تداول المعلومات الذي نصَّ الدستور على ضرورة إصداره وشكَّل المجلس الأعلى للإعلام بالفعل لجنة لكتابة مسودة للقانون لرفعها للبرلمان، وهو أحد الأدوار التي نصَّ عليها قانون المجلس رقم 92 لسنة 2016، إلا أنه وبعد اجتماعات ونقاشات ومسودات، دخل القانون الدائرة المفرغة ولا يزال مصيره مجهولًا حتى وقت كتابة هذه السطور.

ومن ثمَّ فإن الصحفيين والإعلاميين في مصر منذ عام يعملون تحت مظلة كيانات جديدة (المجلس الأعلى والهيئتان) ما زالت محكومة بقانون قديم (قانون الصحافة رقم 96 لسنة 1996).

ويعملون بلا قانون مُنظِّم لعملية الحصول على المعلومات الرسمية من مصادرها الأصلية. وهو ما جعل هذه المؤسسات يقتصر دورها على الرقابة والمحاسبة دون التطرق لمهامها الأخرى المرهونة بوجود قانون جديد للصحافة، مما جعل من تلك المؤسسات عبئًا على كاهل العاملين بالمجال وأداه للمحاسبة والعقاب بحقهم مع مؤسسات الدولة الأخرى وليس كيان مستقل يهتم برفع مستوى المهنة وتوفير بيئة عمل صحية وداعمة لممارسيها.

ويُعتبر`تشكيل المجلس الأعلى للإعلام لجانًا داخلية لمشاهدة كل ما يُبث تقريبًا على الشاشة الصغيرة ومراجعته ورصد ما به من تجاوزات مهنية أو أخلاقية مع معاقبة الوسيلة الإعلامية أو الصحفية وإحالة الصحفي أو الإعلامي لنقابته المهنية للتحقيق معه، دالًا على ما سبق ذكره. فهناك لجان لمشاهدة ورصد الأعمال الدرامية وأخرى للبرامج الرياضية ولجنة من الفتوى لبرامج الشيوخ والدعاة، ذلك كله بخلاف لجنة الرصد والمتابعة للبرامج اليومية على مختلف وسائل الإعلام المرئية في مصر.

كانت من بين آخر قرارات المجلس الأعلى للإعلام ما قرره بحق جريدة المصرى اليوم وموقع مصر العربية بعد شكويين تقدمت بهما الهيئة الوطنية للانتخابات بحق الأولى بسبب مانشيت الجريدة في 29 مارس 2018، والذي رأت الهيئة أنه يتهم الدولة بحشد الناخبين، وعنوان آخر على الموقع الإلكتروني يسخر من إدلاء المرشح الرئاسي موسى مصطفى موسى بصوته في الانتخابات الرئاسية 2018، ما يدفع للتساؤل لصالح من يذهب صوت المرشح”، أما الشكوى الثانية فكانت تتعلق بنشر موقع مصر العربية تقريرًا مُترجمًا عن صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية بخصوص استغلال الدولة فقر المواطنين لحشدهم للانتخابات عبر رشاوى عينية. وبناءً على تلك الشكاوى قرر المجلس الأعلى إحالة رئيس تحرير جريدة المصري اليوم ومحرر الخبر للتحقيق في نقابة الصحفيين، وإلزام الجريدة بنشر اعتذار للهيئة الوطنية للانتخابات بنفس المكان ونفس المساحة، مع توقيع غرامة على الجريدة قدرها مئة وخمسون ألف جنيه. بينما قرر تغريم موقع مصر العربية 50 ألف جنيه مصري.

كذلك أصدر المجلس قرارًا بحظر ظهور المِثليين في أي من أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية إلا أن يكون للاعتراف بخطأ السلوك والتوبة عنه، كان ذلك على خلفية حفل لفرقة مشروع ليلى في سبتمبر من العام الماضي والذي قام خلاله مجموعة من الشبان والشابات من حضور الحفل برفع علم قوس قزح (وهو رمز لدعم التعددية وقبول الاختلاف ومرتبط بدعم حقوق المثليين) وهو ما تسبب في ملاحقة هؤلاء الشباب أمنيًا وسجن بعضهم فيما بعد.

أحال المجلس الأعلى للإعلام أيضًا رئيس تحرير موقع جريدة المصري اليوم للتحقيق بنقابة الصحفيين على خلفية خبر نشر بالموقع يتعلق بإحدى سيدات الأسرة المالكة السعودية، وهو ما وصفه قرار المجلس بمخالفته “للكود الأخلاقي” الذي أقره المجلس قبل ذلك. وتحت طائلة “الكود الأخلاقي” والتجاوزات الأخلاقية والمهنية والتي تسئ إلى الأعراف والتقاليد والذوق العام المصري أوقف المجلس بث عدة برامج تلفزيونية وأحال مقدميها للتحقيق في نقابتهم، من بين تلك الحالات قيام إدارة فضائية”النهار” بوقف الإعلامية دعاء صلاح عن العمل لمدة ثلاثة أشهر بعد أن قرر المجلس الأعلى للإعلام وقف برنامجها “دودو شو” وإنذار إدارة القناة وتحويلها لنقابة الإعلاميين للتحقيق معها، وذلك على خلفية ما قامت به في إحدى حلقات برنامجها بمناقشة قضية الأم العزباء (single mother) والذي اعتبره المجلس الأعلى للإعلام بثًا لأفكار غير أخلاقية وغريبة عن المجتمع وتهديدًا لكيان الأسرة المصرية.

كذلك في منتصف يوليو 2017 أحال المجلس الأعلى للإعلام الإعلامية “شيماء جمال” مقدمة برنامج “المشاغبة” المُذاع عبر فضائية LTC TV للتحقيق بسبب مشهد تمثيلي، بحسب زعم المذيعة، عن كيفية تعاطي مخدر الهيروين وقد تم إيقافها لمدة أسبوع، بينما لم تكتفي نقابة الإعلاميين بذلك وقامت بإيقافها لمدة ثلاثة أشهر عن الظهور.

هذه المشاهد وغيرها تمثل تعبيرًا عمليًا واضحًا عن فلسفة التوجه الذي يتعامل به المجلس الأعلى للإعلام مع دوره الجديد، وهو أن يكون مجرد أداة لبسط رقابة الدولة على مختلف وسائل الإعلام وبالأخص الشاشة الصغيرة والتحكم في كل ما يخرج للجمهور، وهو ما يُفسر احتفاظ السلطة التنفيذية لنفسها بالحق الأكبر في تشكيل المجلس الأعلى للإعلام والهيئتان الوطنيتان للصحافة والإعلام.

 

نقابة الإعلاميين

عام واحد أيضًا يَمُر على إقرار وإصدار قانون تأسيس نقابة الإعلاميين وتشكيل اللجنة المسؤولة عن مرحلة التأسيس، برئاسة الإعلامي حمدي الكنيسي، عام كامل لم يكن كافيًا لأن تستوفي اللجنة إجراءات التأسيس وعقد الجمعية العمومية الأولى للنقابة، علاوةً على أنها تمادت بشكل كبير فى ممارسة أدوار ومهام بوصفها “مجلس نقابة” حيث اهتمت بالمهام والأدوار التنظيمية قبل أن تُنجز مهمتها الأساسية التي تم إنشائها من أجل إنجازها.

منذ إنشاء النقابة كانت أولى أزماتها هي تنازُع الاختصاصات مع المجلس الأعلى للإعلام وتحديدًا حول مهمتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بضبط مجال ممارسة مهنة الإعلام من الفوضى التي تجتاحه، وذلك وفقًا لما صرَّح به “الكنيسي” نفسه، من خلال رصد المخالفات المهنية والأخلاقية المُرتكبة عبر الشاشة الصغيرة، وهي المهمة التي وضع المجلس الأعلى للإعلام على عاتقه القيام بها حتى أنه شكَّل لجنة لاستقبال الشكاوى المتعلقة بما يُبث عبر الشاشة الصغيرة.

\وهو ما دعى مكرم محمد أحمد، رئيس “الأعلى للإعلام” أن يؤكد في أكثر من مناسبة أن اللجنة التأسيسية لنقابة الإعلاميين ليس من حقها إصدار العقوبات بحق الوسائل الإعلامية وأن كل مهمتها تقتصر في إجراءات تأسيس النقابة، وهو ما رد عليه “الكنيسي” مؤكدًا أن ذلك الأمر في صلب عمل اللجنة التأسيسية التي خوَّل لها القانون ممارسة كافة أدوار مجلس النقابة لحين انعقاد الجمعية العمومية الأولى وانتخاب مجلس ونقيب جديدين.

إلا أن النظر لحقيقة ما أقره القانون، أنه يُنظِّم العمل ما بينهم ليس بهدف تنظيم المهنة والدفاع عنها بل على العكس لإحكام قبضة رقابة ثنائية عليها.

فالقانون أعطى الحق للمجلس بمعاقبة الوسيلة الإعلامية بينما ليس من حقه معاقبة الإعلامي ولكن فقط تحويله للتحقيق بنقابة الإعلاميين.

الأمر الثاني الذي تنازعا فيه الاختصاص كان وضع ميثاق الشرف الإعلامي؛ حيث شكَّل المجلس الأعلى لجنة لكتابة مسودة لميثاق الشرف الإعلامي، وهو ما تجاهله الكنيسي وقام بتشكيل لجنة أخرى داخل النقابة لكتابة مسودة الميثاق باعتبار ذلك من أدوار النقابة التي نصّ عليها قانون إنشاؤها رقم 93 لسنة 2016.

علاوة على ما تقدم، واجهت اللجنة التأسيسية أزمات مادية تتعلق بإنجاز إجراءات التأسيس؛ حيث تأخر بشكل كبير حصولها على مخصصاتها المقررة قانونًا من الموازنة وبعد صرفها كانت أقل كثيرًا من احتياجات اللجنة لإنجاز مهام التأسيس، وهو ما عرقل استكمال إجراءات العضوية والتأسيس.

ولا يبدو أن الأمور قد سُويت بعد، فرغم فتح باب التقدُّم بالأوراق للعضوية بشكل نظري لم تصدر أي عضويات ولم يُعلن عن ميعاد إنعقاد عمومية التأسيس التي نصَّ القانون على أن تكون بعد ستة أشهر بحد أقصى، إلا أن اللجنة طالبت بمد عملها ستة أشهر أخرى، والتي انتهت كذلك دون جديد يُذكر أو قديم يُعاد.

أما على مستوى الانتهاكات؛ فقد وقَّعت نقابة الإعلاميين عددًا من الجزاءات الإدارية والتأديبية بحق بعض الإعلاميين الذين رأت أنهم ارتكبوا تجاوزات مهنية وأخلاقية تُخالف ميثاق الشرف الإعلامي، ففي بداية أغسطس من العام 2017 قررت اللجنة وقف الإعلاميتَين ريهام سعيد ودعاء صابر لمدة ثلاثة أشهر، وتوجيه إنذار للإعلامي محمد الغيطي، بالإضافة لقرار وقف الإعلامي أحمد موسى والذي لم يتم تنفيذه.

وينبغي الإشارة هنا إلى بطلان كافة تلك العقوبات وافتقادها للأساس القانوني، لأن اللجنة حتى اليوم لم تنته من إعداد اللائحة التنفيذية للقانون بما يتضمن لائحة الجزاءات والعقوبات، كما أن ميثاق الشرف الإعلامي لم يُقَر بعد لأن الجمعية العمومية الأولى للنقابة لم تنعقد حتى اللحظة، وبالتالي لا معنى لهذا الإصرار على توقيع مزيد من العقوبات من اللجنة التأسيسية على الإعلاميين.

كل ما سبق يؤكد الإشارة إلى تغوُّل العقلية الرقابية في مفهوم الهيئات والمجالس الجديدة عن تنظيم المهنة وشئونها، وهو ما يُزيد التخوُّف من أن تكون نقابة الإعلاميين سلاح رقابي جديد ولكن هذه المرة موجَّه لرقاب الإعلاميين أنفسهم.

 

الهيئة العامة للاستعلامات

عام كذلك على تعيين الكاتب الصحفي ورئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ضياء رشوان، رئيسًا للهيئة العامة للاستعلامات، بعد سنوات من هامشيتها وغيابها، لتستعيد الهيئة دورها فيما يتعلق بمجال الصحافة والإعلام. وبالطبع فإن هذا الدور أتى مكملًا ومتسقًا مع تغوُّل العقلية الرقابية المتصاعدة مع الهيئات والمؤسسات السابق ذكرها، حيث فرضت الهيئة العامة للاستعلامات قبضتها الرقابية على كل ما يُنشر أو يُبث عن الدولة المصرية في وسائل الإعلام الأجنبية، وخصوصًا ما يتعلق بالملف السياسي وملف الديمقراطية وحقوق الإنسان.

سلاح رقابي جديد فعَّلته الدولة ولكن هذه المرة موجَّه للصحافة الأجنبية والعاملين بها في مصر.

فعلى سبيل المثال فجَّرت الهيئة العامة للاستعلامات أزمة كبيرة مع عدد من وكالات الأنباء العالمية بسبب تضارب الأعداد بشأن عدد شهداء حادثة الواحات الإرهابية من ضباط وجنود الشرطة، حيث طالبت الهيئة عددًا من تلك الوكالات من بينها bbc و reuters بالالتزام أثناء تغطيتهما لحادث الواحات ونقلها أرقامًا عن أعداد الضحايا بما يتم إعلانه من الجهات الرسمية.

الأمر الذي تكرَّر مع ال bbc على خلفية تقرير نشرته عن حالة إخفاء قسري لمواطنة مصرية تُدعى “زبيدة” زعمت الهيئة أن ما جاء بالتقرير محض إشاعات وطالبت الوكالة بتقديم اعتذار، ووصل الأمر لدعوة الهيئة العامة للاستعلامات الجهات الحكومية والمسؤولين لمقاطعة ال bbc حتى تعتذر عن التقرير.

ومؤخرًا وفي سياق الانتخابات الرئاسية راجعت الهيئة وكالة رويترز في أحد الأخبار المنشورة بشأن عملية التصويت ما أدى إلى اضطرار الوكالة لحذف الخبر، حيث علم “المرصد المصري للصحافة والإعلام” من مصادره أن الوكالة جرى تهديدها بتقديم بلاغ ضد محرريها من قِبل الهيئة العامة للاستعلامات وهو السبب وراء قيامها بحذف الخبر.

وفي 21 فبراير 2018، رحَّلت السلطات المصرية، بطلب من الهيئة العامة للاستعلامات، الصحفية البريطانية بيل ترو، مراسلة صحيفة تايمز الإنجليزية دون إبداء أي أسباب أو الخضوع للمحاكمة.

أُلقي القبض على “ترو” يوم 20 فبراير من منطقة شبرا أثناء إجرائها حوارًا مع أحد أقارب رجل توفي على متن مركب هجرة متجه إلى أوروبا، حيث تم اصطحابها إلى قسم الشرطة، وبعد ساعات تم إرسالها إلى مطار القاهرة الدولي ومنه إلى لندن.

ما جعلها تنشر مقالًا عن ما تعرَّضت له من قبل السلطات المصرية في صحيفة التايمز التي أكدت هي الأخرى على سلامة موقف محررتها قانونيًا واجراءيًا. إلا أن الهيئة العامة للاستعلامات أصدرت بيانًا مُفصلًا، الأحد 25 مارس 2018، استنكرت فيه مزاعم “بل” و”التايمز” وأكدت أن المراسلة تعمل منذ شهور في مصر بالمخالفة لقواعد العمل والتصاريح المُقرة من قبل الهيئة.

هذه الأزمات اضطرت الهيئة للدخول في حوار مع وكالات الأنباء الأجنبية حول تغطيتها للأحداث بمصر وهو ما عبَّرت خلاله تلك الوكالات عن صعوبة العمل والتغطية في مصر في ظل غياب قانون يُتيح الحصول على المعلومات والبيانات الرسمية من مصادرها، وأن تضارب الأرقام كان سببه الرئيسي تكاسل الجهة المنوط بها الإفصاح عن البيانات وليس رغبة الوكالات في تزييف الحقائق وهو ما دعا الهيئة العامة للاستعلامات على لسان رئيسها ضياء رشوان تُطالب بضرورة الإسراع في إقرار قانون تداول المعلومات ولكن لم يجد الأمر آذان مُصغية حتى الآن.

 

سياسات خانقة: عدالة غائبة وإهدار لسيادة القانون

ربما يكون ذلك العام من مايو 2017 وحتى مايو 2018 الأقل إحصائيًا عن سابقيه من حيث الانتهاكات المرتكبة بحق الصحفيين وحرية الصحافة والإعلام، وفقا لاحصائات “المرصد المصري للصحافة والإعلام”، ولكننا نستطيع القول أن الانتهاكات اختلفت بشكل نوعي في هذا العام، وربما كان جزء مهم منها مُتعلِق بالسياسات والقوانين، والآخر بمعدلات مرتفعة لحبس وملاحقة الصحفيين والإعلاميين على خلفية قضايا نشر بالمخالفة للدستور، وكذلك إنضمام مؤسسة النيابة العامة إلى المؤسسات المنوط بها مراقبة ورصد كل ما يُنشر عبر وسائل الإعلام وإحالة المخالف فيه للتحقيق.

بالإضافة إلي استمرار محاكمة العديد من الصحفيين في ظل غياب قدر كبير من ضمانات المحاكمة العادلة حتى أن الأمر وصل لصدور حكم نهائي بات بالسجن بحق ثلاثة صحفيين، وأخيرًا تحولات ضخمة للملكية في السوق الإعلامي يشوبها العديد من الشكوك والمخاوف.

 

انتقالات للملكية مُثيرة للجدل في سوق الإعلام

في سياق مفاجئ ومثير للجدل تجاهل المجلس الأعلى للإعلام لدوره المنصوص عليه قانونًا في مراقبة أوجه تمويل المؤسسات الصحفية والإعلامية والتأكد من سلامتها، وحماية المنافسة ومنع الاحتكار.

خاصة وأن هذا العام شهد عمليات لانتقال الملكية يُشتبه في تورُّط جهات سيادية فيها. هذه العمليات شملت عددًا كبيرًا من الوسائل والمؤسسات الصحفية والإعلامية الكبرى ذات التأثير والحضور العالي في المشهد الصحفي والإعلامي.

كان أبرز تلك الصفقات استحواذ المجموعة المالية “إيجل كابيتال” التي ترأس مجلس إدارتها وزيرة الاستثمار السابقة داليا خورشيد، والتي يُشتبه في كونها صناديق استثمارية تابعة لجهاز المخابرات العامة على كامل أسهم شركة “إعلام المصريين” المملوكة لرجل الأعمال المصري أحمد أبو هشيمة والتي ضمت العديد من الوسائل الإعلامية والصحفية أهمها مجموعة قنوات ONTV وجريدة اليوم السابع وصوت الأمة.

بينما انتقلت ملكية شبكة قنوات “الحياة” المملوكة لرجل الأعمال المصري ورئيس حزب الوفد الليبرالي السيد البدوي إلى مجموعة فالكون للخدمات الأمنية التي يرأس مجلس إدارتها وكيل جهاز المخابرات الحربية السابق.

وهي الصفقة التي يُشتبه أن هناك ضغوط كبيرة مورست على البدوي لقبول الصفقة التي تُشير التقارير لأنها بلغت المليار جنيه في أعلى صفقة انتقال ملكية في سوق الإعلام المصري. ولم يُثِر ذلك انتباه المجلس على الإطلاق، حيث لم تلفت أي من تلك الصفقات انتباهه ولو على سبيل تقصي الحقائق حول حقيقة تلك العمليات وما قد يتركه ذلك من أثر على مناخ المنافسة وأجواء الاحتكار وأيضًا حول سلامة مصادر تمويل تلك الصفقات. كل ذلك يُعيد التأكيد على التوجه الذي يرى المجلس ورئيسه أنه أنشئ من أجله.

 

الحجب كأداة جديدة من أدوات الرقابة

مع مايو 2018 كذلك يكون مر عام على قيام السلطات في مصر بحملة واسعة لحجب المواقع الصحفية والتلفزيونية، وهو ما جاء في أعقاب تغطية هذه المواقع لقضية تيران وصنافير المتعلقة بتوقيع الحكومة المصرية على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية.

واستمرت أعمال الحجب حتى اليوم، وقد طالت مواقع صحفية وإعلامية مختلفة التوجهات ومتنوعة المصادر، جزءً كبيرًا منها مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا أو غير مباشر بجماعة الإخوان المسلمين، وبعضها مواقع صحفية مستقلة.

من بين هذه المواقع موقع المنظمة الفرنسية المهتمة بشؤون حرية الصحافة “مراسلون بلا حدود” وكذلك موقع “قنطارة” التابع لمؤسسة “دويتش فيله” الألمانية وموقع جريدة “دايلي نيوز ايجيبت” ومدى مصر والمصريون ومصر العربية والبداية ضمن قائمة أخرى طويلة.

ولم تُعلن السلطات المصرية حتى وقتنا هذا عن الجهة المسؤولة عن عمليات الحجب رغم القضايا المرفوعة أمام محكمة القضاء الإداري من عدة جهات منها مدى مصر وموقع مصر العربية. كذلك رغم أخبار وتقارير صحفية متداولة عن محاولات لوضع إطار قانوني لعمليات الحجب باعتبارها تستهدف المواقع المعروفة بعدائها للدولة المصرية والتي دأبت على نشر الشائعات والأكاذيب عن الدولة المصرية.

إلا أنه لم يصدر قانون لتنظيم إجراءات الحجب حتى وقت كتابة هذه السطور، وغير معلوم ماهية الجهة المنوط بها ذلك ومدى قانونية ودستورية ذلك الأمر.

أما المجلس الأعلى للإعلام وكذلك الهيئة الوطنية للصحافة فقد اكتفوا بتبرير ذلك مع التبرؤ من مسؤولية القيام به، وغاب عن المجلس الأعلى دوره في الدفاع عن المهنة وحماية المؤسسات العاملة بها رغم العديد من الخطابات والشكاوي التي أرسلت له للمطالبة بالإفصاح عن سبب حجب المواقع الصحفية ولكن دون أدنى استجابة.

عام كامل كان له تأثيرًا كبيرًا على تلك المؤسسات الصحفية التي قررت السلطة حجبها دونما اعتبار للعاملين بتلك الوسائل الذين تم تسريح بعضهم نتيجة للخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحجب وهو ما حدث بجريدة المصريون، وكذلك مواقع مثل جريدة البديل التي أعلنت عن وقف نسختها الإلكترونية بعد ما عجزت عن تفادى آثار حجب موقعها ناعية البيئة والمناخ الذي يُحيط بالعمل الصحفي في مصر اليوم، وهو الخطاب الذي كررته تقريبًا إدارة موقع كورابيا حينما أعلنوا مؤخرًا عن وقف العمل بالنسخة الإلكترونية بعد حجب موقعهم للمرة الثانية دون إبداء أي أسباب.

 

المنع من التغطية

شهد هذا العام من مايو 2017 وحتى مايو 2018 استمرارًا لانتهاك حق الصحفيين في تغطية الفعاليات المختلفة، ليبقى المنع من التغطية الانتهاك الأهم الذي تصدَّر قائمة الانتهاكات في الأعوام الأخيرة، عدد كبير من انتهاكات المنع من التغطية كانت “انتهاكات جماعية” بمعنى أنه يتم منع عدد من الوسائل الصحفية والإعلامية من تغطية حدث ما بشكل جماعي مما يصعُب معه إمكانية حصر الوسائل الصحفية والإعلامية التي جرى منعها، أغلب هذه القرارات يصدُر عن هيئات قضائية بمنع من تغطية جلسات محاكمة عدد من المتهمين في قضايا مختلفة.

ولا ننسى هنا التعديل الذي أقرَّه البرلمان على المادة 286 من قانون الإجراءات الجنائية والخاصة بعلانية المحاكمات والتي نصت قبل تعديلها على “.. إذاعة الجلسات علانية ويجوز للمحكمة أن تأمر بسماع الدعوى كلها أو بعضها في جلسة سرية أو تمنع فئات معينة من الحضور فيها..”، بينما أضاف التعديل فقرة جديدة “لا يجوز نقل وقائع الجلسات أو بثها بأي طريقة كانت إلا بموافقة كتابية من رئيس الدائرة”.

وهو الأمر الذي حوَّل القاعدة (علانية جلسات المحاكمة) إلى استثناء، وجعل التغطية بأمر كتابي هي القاعدة، مما ينتهك أيضًا ضمانات المحاكمة العادلة.

على سبيل المثال؛ تعرضت الصحفية حنان حمدتو، بجريدة المصريون، الاثنين1مايو 2017، إلى المنع من الدخول إلى نادي القضاة النهري، بالعجوزة – الجيزة، لتغطية مؤتمر المجلس الاستشاري لأندية القضاة، لبحث إجراءات الطعن على قانون اختيار رؤساء الهيئات القضائية، الذي أقره البرلمان، وصدق عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وحول تفاصيل الواقعة، قالت “حمدتو”، إنه في العادة عند عقد اجتماعات بالنادي، ينتظر الصحفيون بـكافيتيريا النادي، لحين صدور بيان عن الاجتماع والنتائج التي توصلوا إليها. وأضافت لـ”صحفيون ضد التعذيب”، أن فور توجهها اليوم كعادة كل اجتماع، فوجئت بالأمن الإداري يمنعها من الدخول بسبب ورود تعليمات بذلك، موضحة أنها علمت من أفراد الأمن أن من أصدر التعليمات هو رئيس النادي.

وتابعت أنها انتظرت قليلًا أمام النادي بعد تواصلها مع “مصدر”، للتأكد من صحة صدور تعليمات بالمنع، ففوجئت بمسؤول من المكتب الإعلامي بالنادي، يخرج إليها مؤكدًا صدور التعليمات بمنع الصحفيين من حضور اجتماع اليوم.

وفي 19 يونيو 2017 منعت إدارة المجلس الأعلى للثقافة، بث التصويت على جوائز الدولة المصرية لعام 2016، للصحفيين، ما أدى إلى عدم تمكنهم من متابعة الحدث على شاشات عرض المجلس، وتغطية الفاعلية.

وحول تفاصيل الواقعة، قال الصحفي بـجريدة الفجر، سعد نبيل، إنه والصحفيين فوجئوا بمنع إدارة المجلس خاصية بث التصويت للصحفيين، لمتابعة التصويت وهم متواجدين في قاعة أخرى، موضحًا أن منع بث التصويت، تم بتعليمات من وزير الثقافة، حلمي النمنم.

وأضاف، أنه خلال المؤتمر الصحفي عقب انتهاء التصويت، أوضح “النمنم” أن المنع تم وفقًا للقانون وأنه لا يستطيع مخالفة القانون، مشيرًا إلى أن النمنم” أكد تواصل أحد المترشحين به وطالبه بعدم نشر اسمه ضمن نتيجة التصويت لأنه حصل على “صفر”، ولا يريد أن يخسر مكانته أمام أعضاء” المجلس الأعلى للثقافة. وأفاد الصحفي سعد نبيل، بأن القانون ينص على سرية عملية التصويت، بالنسبة للمصوت، فلا يجوز سؤاله عن من قام بالتصويت له أو إذا ما كان سيقوم بالتصويت لصالح مرشح ما، موضحًا أن القانون لا يمنع بث عملية التصويت بشكل عام.

يُذكر أن التصويت تم بقاعة المجلس على جوائز الدولة (النيل، التفوق، التقديرية)، فيما تم إعلان جوائز الدولة التشجيعية.

وفي السابع من نوفمبر 2017 قال المحرر القضائي بـ”المصري اليوم”، عاطف بدر، إن أفراد الأمن بمعهد أمناء الشرطة، منعوه من الدخول لتغطية جلسة محاكمة، 14 متهمًا على خلفية اتهامهم بالانضمام لتنظيم داعش بمنطقة عين شمس.

وأضاف، أن أفراد الأمن أعلموه بصدور تعليمات من قاضي المحاكمة، المستشار معتز خفاجي، بمنع الصحفيين من الدخول إلى جلسة المحاكمة.

وفي العاشر من فبراير 2018 شهد محيط مكتبة الإسكندرية تشديدات أمنية مكثفة، لاستقبال البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية. وكثفت قوات الأمن من انتشارها في محيط المكتبة، ودفعت بسيارات الشرطة والقوات الأمنية، وتم منع الصحفيين من الدخول إلى مقر اجتماع البابا تواضروس مع الدكتور مصطفى الفقي، رئيس المكتبة.

 

(12) صحفيون خلف قضبان صاحبة الجلالة

ارتفع عدد الصحفيين المحبوسين خلال هذا العام ليصل إلى 12 صحفيًا بحسب إحصاء “المرصد المصري للصحافة والإعلام”، هذا رقم قد يكون الأقل بين المؤسسات الدولية وإحصائياتها عن مصر نظرًا لاختلاف منهجية التوثيق، إلا أنه يظل رقمًا مرتفعًا يُعطى دلالة على الخطورة الكبيرة على سلامة وأمن وحرية العاملين بالمجال الصحفي.

كان أبرز الصحفيين المحبوسين خلال الأيام الماضية هو الكاتب الصحفي ورئيس تحرير موقع مصر العربية عادل صبري، حيث اقتحمت حملة أمنية مقر الموقع وقامت بتفتيش الأجهزة وتحفظت على المكان بعد إخراج العاملين فيه واصطحبت رئيس التحرير لقسم شرطة الدقي.

وبعد عرضه على النيابة تبيَّن توجيه اتهامات له بإدارة موقع بدون رخصة من الجهة الإدارية المختصة وكذلك نشر الأخبار الكاذبة إلى جانب اتهامات أخرى يقضي بسببها “صبري” شهر تقريبًا قيد الحبس الاحتياطي.

في نفس السياق مازال المصوِّر الصحفي محمود أبوزيد الشهير بـ”شوكان” محبوسًا على ذمة القضية المعروفة إعلاميًا بـ”فض رابعة” للسنة الخامسة رغم معاناته من مرض مزمن وعدم تلقيه الرعاية الطبية الملائمة، فقد ألقي القبض عليه في أغسطس من العام 2013 على خلفية قيامه بتصوير مشاهد من عمليات فض القوات المسلحة وقوات الشرطة المصرية لاعتصام أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي في ميدان رابعة العدوية.

 

ويجدر الذكر أن شوكان قد حصل منذ أيام على جائزة حرية الصحافة الدولية من منظمة اليونسكو الدولية وهو الأمر الذي أثار حفيظة الخارجية المصرية التي ردت بخطاب رسمي لليونسكو تقول فيه إن شوكان متهم ومحبوس على ذمة اتهامات جنائية وأعمال عنف.

“شوكان” محبوس على الرغم من تقديم هيئة الدفاع عنه خطاب تفويض من الجهة التي يعمل بها (وكالة ديموتكس الدولية) بأنه كان مُكلفًا للقيام بهذا العمل لصالحها و تأكيدهم أن نزوله لتغطية الأحداث جاء تلبية لدعوة وزارة الداخلية وسائل الإعلام لتغطية أعمال الفض بكل شفافية وعلنية.

بالإضافة لذلك تطول فترات الحبس الاحتياطي بحق عدد آخر من الصحفيين دون مبرر وبعضهم يُحال بعد فترة للنيابة العسكرية وهو ما حدث مع الصحفي الاستقصائي إسماعيل الاسكندراني الذي يقضي عامه الرابع خلف القضبان بعد القبض عليه في مطار القاهرة الدولي بسبب كتاباته عن شبه جزيرة سيناء.

الإحالة للنيابة والحبس في قضايا النشر بالمخالفة للدستور

في الرابع من يناير 2018 قررت نيابة استئناف القاهرة إخلاء سبيل الصحفي طارق جمال حافظ، رئيس القسم القضائي بجريدة الفجر بكفالة 5 آلاف جنيه، على خلفيه اتهامه بإثارة الرأي وتكدير السلم العام، حسبما نشرت “الفجر”، كان ذلك على خلفية نشر خبر بعنوان (لقاء “سري” يجمع وزير الداخلية الأسبق “محمود وجدي” بالنائب العام).

لم تكن تلك المرة الأولى التي يُستدعى فيها “حافظ” للنيابة للتحقيق معه بخصوص قضية نشر، ففي مايو 2017 استدعت نيابة أمن الدولة الصحفي ورئيس القسم القضائي بجريدة الفجر طارق حافظ، للتحقيق ووجهت له اتهامات بخدش الرونق العام للمجلس الأعلى للقضاء، نشر أخبار كاذبة لتكدير السلم العام، إلحاق الضرر بالسلطة القضائية، وتعمد إزعاج ومضايقة الغير بإساءة استخدام أجهزة الاتصال. ذلك بعد تحقيقات استمرت 15 ساعة بحسب شهادته التي نشرها في تدوينة عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، ثم أخلت النيابة سبيله بكفالة مالية قدرها 5 آلاف جنيه.

وكان ذلك بسبب نشره لتقريرعن تجاوزات تعيينات النيابة العامة. يذكر طارق في شهادته تعرضه لمحاولات الإكراه المادي والنفسي والمعنوي خلال التحقيقات؛ للإفصاح عن مصادره الخاصة في التحقيق الذي نشره، ووصل الأمر إلى الترهيب من قبل رئيس النيابة – بحد وصفه-، فضلًا عن خضوعه للتحقيقات لمدة 15 ساعة كاملة دون أي استراحة أو التقاط أنفاس، وهو ما يخالف المواثيق والقوانين الدولية الخاصة المتعلقة بالتحقيق مع المتهمين.

في سياق متصل؛ قررت نيابة البحر الأحمر، حفظ التحقيق مع الصحفي محمد السيد سليمان، مدير مكتب جريدة المصري اليوم بالبحر الأحمر؛ وذلك لعدم الأهمية وعدم تحريك الدعوي الجنائية.

وذلك في التحقيقات التي أجريت بشأن نشر أخبار عن شحنة القمح الفرنسي المستورد، والتي تم دخولها من ميناء سفاجا إلى صوامع عدد من محافظات الصعيد.

كانت نيابة الغردقة استدعت مدير مكتب المصري اليوم خلال أكتوبر الماضي دون أي إخطار للنقابة للتحقيق معه قي واقعة نشر خبر عن استيراد شحنة قمح فرنسي تحتوي على زهور الخشخاش واستمرت التحقيقات نحو ٥ ساعات، وسؤاله خلال التحقيق عن المصادر التي أدلت له بالمعلومات، إلا أنه رفض الإدلاء بأقواله في التحقيقات كمتهم إلا في حضور ممثلي نقابة الصحفيين ومحاميه، وانتهت التحقيقات بإخلاء سبيل مدير المكتب على ذمة التحقيق بكفالة 10 آلاف جنيه، وطلب تحريات الأجهزة الأمنية حتى صدر قرار المحامي العام للبحر الأحمر بحفظ التحقيقات في الواقعة لعدم الأهمية.

وفي نهاية فبراير من العام 2018 قررت نيابة أمن الدولة العليا حبس الصحفي معتز شمس الدين ودنان 15 يومًا على ذمة التحقيقات على خلفية الحوار الذي أجراه مؤخرًا مع المستشار هشام جنينة، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات.

“ودنان” أجرى حوارًا صحفيًا بموقع “هاف بوست عربي”، في 11 فبراير الماضي، مع المستشار جنينة، الذي زعم فيه أن الفريق المستدعى سامي عنان يحتفظ بوثائق وأدلة يدعي احتواءها على ما يدين الدولة وقياداتها. وفي مارس 2018 استدعت النيابة العامة الإعلامي خيري رمضان للتحقيق معه بشأن حلقة تلفزيونية في برنامجه الجديد “مصر النهارده” المُذاع على التلفزيون المصري، تناول خلالها رواتب و أوضاع ضباط الشرطة ممن ليس لهم وسيلة للكسب غير راتبهم -بحسب وصفه-، وهو ما رأت فيه وزارة الداخلية إهانة لرجال الشرطة وتقدمت ببلاغ ضده.

واتهمت الداخلية في بلاغها رقم 1170 لسنة 2018 جنح نيابة وسط القاهرة خيرى رمضان بإذاعة أخبار كاذبة خلال برنامجه والإساءة لجهاز الشرطة، وكذلك الإساءة لرجال الشرطة وذويهم.

وأذاع “رمضان” في إحدى حلقاته رسالة من سيدة قالت إنها زوجة ضابط شرطة وادعت أنها تعاني من صعوبات الحياة، وتفكر في العمل خادمة، ما أثار استياء ضباط الشرطة وذويهم. وظل “رمضان” يومين قيد الحبس قبل أن تخلى النيابة العامة سبيله بكفالة مالية قدرها 10 آلاف جنيه.

لم تكن واقعة الإعلامي خيري رمضان ومن بعده الصحفية بموقع “رصيف 22” مي الصباغ، وزميلها المصوِّر الصحفي أحمد مصطفى، واللذين ألقى القبض عليهما أثناء قيامهما بعمل تقرير مصوَّر عن “ترام الإسكندرية” ولم يُخل سبيلهما إلا بعد أيام، إلا جزء من سياق عام، عبَّر عنه بيان النائب في 28 فبراير 2018، والذي دعا فيه رؤساء النيابات والمحامين العموم لتتبع ما يبُث أو يُنشر عبر وسائل الإعلام المختلفة وإحالة المخالف منها للتحقيق الجنائي.

مع دعوته للجهات المعنية برصد المشهد الإعلامي بإحالة كل ما يرونه من مخالفات جنائية للنيابة العامة للتحقيق فيها.

جاء البيان غامضًا بشأن محاولات من أطلق عليهم “أهل الشر” للإساءة لسمعة البلاد ونشر الأخبار الكاذبة بهدف إسقاط الدولة المصرية. بيان النائب العام تلاه بيان آخر يُحدِّد أرقام هواتف مختلفة لتلقي الشكاوى بشأن ما يُنشر في الإعلام.

هذا الدور نفسه الذي يلعبه المجلس الأعلى للإعلام ونقابة الإعلاميين والهيئة العامة للاستعلامات دخلت النيابة كلاعب جديد في دور قد يفقدها تلك الحيادية المطلوبة للقيام بمهمتها في إقامة العدل وليس توسيع دوائر الاشتباه والتحقيق عبر مصطلحات عامة وغير محددة.

خاتمة

في اليوم العالمي لحرية الصحافة حاول “المرصد المصري للصحافة والإعلام” من خلال تلك الورقة أن يتعرَّض للأزمات الخانقة والمهددة لمناخ وبيئة العمل الصحفي والإعلامي في مصر من أجل أن يضعها أمام الجهات المعنية وعلى رأسها المجلس الأعلى للإعلام ونقابتي الصحفيين والإعلاميين والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام للاضطلاع بأدوارهم في تعزيز بيئة أكثر تمكينًا لحرية الصحافة والعاملين بالمجال الصحفي والإعلامي ويؤكد “المرصد المصري” أن غياب العدالة وإهدار سيادة القانون من أهم الملفات العاجلة التي يجب أن تضطلع الهيئات والمجالس المنظمة للشأن الإعلامي بها حتى يتمكن العاملين بالحقل الصحفي والإعلامي من التمتع ببيئة عمل آمنة وحُرة وغير مُقيدة لحريتهم أو مُهددة لسلامتهم البدنية والنفسية.

للإطلاع على التقرير بنسخة PDF.. اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق