7 أعوام على مقتل الصحفي البريطاني مايك دين في مصر (بروفايل)

في يوم الأربعاء، الموافق 14 أغسطس 2013، أعلنت قناة “سكاي نيوز” الإخبارية البريطانية، عن مصرع مراسلها “مايك دين”، الذي عمل لديها لمدة 15 عامًا، مُتنقلًا بين مكتبي واشنطن والقدس، إذ لقي حتفه إثر إصابته بطلقٍ ناري في القلب، أثناء تغطيته لأحداث فض اعتصامي مؤيدي جماعة الإخوان، والرئيس الأسبق محمد مرسي، في ميدان رابعة العدوية بمدينة نصر، وميدان النهضة بالجيزة.

وكان “دين” أول صحفي أجنبي يُقتل أثناء تغطيةٍ صحفيةٍ في مصر، منذ بداية تسجيل لجنة حماية الصحفيين لمثل هذه الحوادث، في مطلع التسعينيات من القرن الماضي.

النشأة
وُلِد المصور البريطاني مايكل دوغلاس دين، والمعروف باسم مايك دين، في مدينة هانوفر بألمانيا، عام 1951، وعاش في مدينة نورثامبتونشاير الإنجليزية.

خلال حياته، نجا “دين” من معاناة مع مرض السرطان، لكنه لم ينجُ من الرصاصة التي باغتته، أثناء تغطيته لأحداث فض اعتصام رابعة، فرحل عن عالمنا، عام 2013، تاركًا زوجة واثنين من الأبناء.

تفاصيل الواقعة
كان مايك، منشغلًا بتصوير مجموعة من النساء، اللاتي بدأن يتجمعن بالقرب من مسجد رابعة العدوية، حيثما كان يعتصم أنصار جماعة الإخوان المسلمين، اعتراضًا على الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي، وبينما كان يلتقط صورة أخيرة، هم الفريق المعاون له بالتحرك، ومغادرة المكان، لكن رصاصة القناص كانت أقرب إليه من التحرك، فسقط قتيلًا.

وكان مصور القناة البريطانية، أحد عناصر فريق، عمل على تغطية الأحداث، التي اندلعت في القاهرة، خلال فض اعتصامي رابعة والنهضة، وكان حينها “مايك” برفقة زميله سام كيلي، المراسل في القناة ذاتها، يعمل على توثيق الأحداث في القاهرة، وعقب مصرعه، تم ترحيل جثمانه على الطائرة الروسية المتجهة إلى زيورخ، عبر مطار القاهرة الدولي، مساء الأحد، الموافق 18 أغسطس 2018.

ردود الفعل
عقب مقتل “دين”، توالت ردود الفعل الدولية، إذ عبر وليام هيغ، وزير الخارجية البريطاني آنذاك، عن أسفه لمقتله، وأبدى تعاطفه مع عائلته وزملائه، بعد هذه “الحادثة المأساوية”، وجدير بالذكر أن رئيس الوزراء البريطاني في هذا الوقت، ديفيد كاميرون، قد أشاد بالمصور الصحفي مايك دين عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، قائلًا: “أنا حزين لسماع موت المصور مايك دين، خالص عزائي لعائلته وفريق عمل سكاي نيوز”.

وكذلك أدانت إيرينا بوكوفا، المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم “اليونسكو”، مقتل المصور “دين”، ودعت السلطات المصرية حينها إلى بذل كل ما في وسعها، لضمان سلامة الإعلاميين لحماية حرية التعبير، وحرية الإعلام على وجه السواء.

كما وصف جون ريلي، رئيس قناة “سكاي نيوز البريطانية” آنذاك، المصور مايك دين بأنه من أفضل الصحفيين الذين عملوا لدى المحطة، مُشيدًا بمهاراته كمصور، وشجاعته، حيث كان أحد المراسلين الذين يمتلكون الرغبة الدائمة، للعمل في المناطق الخطرة في العالم، من أجل نقل الأخبار إليهم، وكذلك وصفه تيم مارشال، محرر الشؤون الأجنبية في القناة وقتها، بهذه الكلمات: “كان صديقًا، وشجاعًا مثل الأسد، ياله من رجل ذي قلب واسع، وإنسانٍ عظيم”.

مسيرته المهنية
عمل المصور الصحفي البريطاني المعروف، الذي تجاوز عمره الستين، في العديد من المحطات الشهيرة والعالمية، منها: شبكة CNN الأمريكية، ومحطة ITV الإخبارية، كما قام بتغطية عملية “عمود السحاب”، التي قامت بها إسرائيل ضد قطاع غزة، عام 2012، وجاء إلى مصر في ست زيارات، خلال عام 2012، لتغطية الأحداث الجارية بها، خلال هذا التوقيت.

شاهد عيان
نشرت صحيفة الجارديان البريطانية تقريرًا، في 4 سبتمبر 2015، أوضحت فيه شهادة كريج سامرز، البالغ من العمر 56 عامًا، وهو صديق المصور مايك دين، الذي كان يقف إلى جواره، عندما تم إطلاق النار عليه، وقال “كريج” أمام محكمة الطب الشرعي في ساوثوورك، إنه يعتقد أن صديقه كان مستهدفًا، إلا أنه لم يعلم السبب، لافتًا إلى أنه لم يكن هناك إطلاق للنار حولهم، سواء قبل أو بعد قتل صديقه، مُضيفًا أنه ليس لديه أدنى فكرة عن مصدر الرصاصة، ولم يسمع صوتها، وإنما علم بمصرع صديقه، عندما التفت إليه، وأخبره بأنه تم قنصه، ورأى الدماء تتدفق خلال قميصه، من الشق الأيسر، أسفل صدره.

كما أخبر “سامرز” -الذي كان يعمل مديرًا لعمليات الأمن في محطة سكاي نيوز التلفزيونية في ذلك الوقت- المحكمة بأن جميع معدات السلامة الخاصة بطاقم العمل، تمت مصادرتها في مطار القاهرة، باستثناء خوذاتهم، وكانت هذه المعدات تشمل سترات مضادة للرصاص، مُصممة للتصدي إلى رصاص القناصة.

وأوضح كريج سامرز أن أشخاصًا من جماعة الإخوان المسلمين، كانوا قد نصحوا طاقم العمل، بعدم ارتداء الخوذة، حتى لا يتم استهدافهم من قِبل قناصة الحكومة، مؤكدًا أنه عند إصابة صديقه، حاول فريق العمل إنقاذه في بيئة وصفها بـ “الفوضوية”، فذهبوا به إلى المستشفى الميداني، التي كانت على بعد 30 أو 40 خطوة، التي أوضح الأطباء بها أن “دين” يعاني من مشكلة في صدره، وربما تهتكًا في الرئة، قبل أن تقوم سيارة الإسعاف بنقله إلى مستشفى مدينة نصر، التي وُضع بها في غرفة العناية المركزة، لكن دون جدوى، حيث لم يتمكن الأطباء من إنقاذه.

وأردف مدير عمليات الأمن في محطة سكاي نيوز، أنه لم يتعرض أي عضو آخر من فريق عمل سكاي نيوز إلى الإصابة، رغم إصابة العديد من الصحفيين الآخرين، من جميع أنحاء العالم، بالرصاص أو بالجروح، خلال هذا اليوم.

قاتل غير معلوم
خلصت القاضية لورنا تاغليافيني إلى أنه على الرغم من أن سبب الوفاة هو إصابته بطلقٍ ناري واحد في الصدر، إلا أنها شعرت بأنها غير قادرة على الوصول إلى سبب للقتل غير القانوني، الذي تعرض له “دين”، مشيراً إلى أنه للتحقق من هذا الأمر، لابد أن تكون على يقين بأن جميع مسؤولي العملية الإجرامية للقتل العمد أو دون قصد، قد تم التحقق منهم.

وتابعت أن مصدر الرصاصة لم يكن معلومًا، فضلًا عن عدم معرفة الدافع من وراء إطلاق النار، وفي حال تم استبعاده من استهداف قتله، فمن الممكن أن الرصاصة كانت تقصد هدفًا آخرًا، وربما كانت بهدف تخويف السيد “دين”.

وفي نهاية الجلسة، قالت إن ما حدث لـ “مايك دين”، يتمثل في إطلاق النار عليه، وإصابته بجروح قاتلة، خلال قيامه بمهام عمله كمصور في القاهرة، مستخدمةً بعض كلمات التعازي، التي قدمتها بشكلٍ شخصي للسيد “دين”، ولعائلته ولأصدقائه.

في ذكرى وفاته
وفي الذكرى الأولى لمقتل زوجها، كتبت الكاتبة دانييلا دياني، أرملة الصحفي مايك دين، مقالًا لها، بصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، وصفت فيه كيف قُتل زوجها بدمٍ باردٍ، من قِبَل قناص من قوات الجيش، التي تولت مهمة فض الاعتصام فقالت: “زوجي مايك، كان هدفًا سهلًا لقناصة الجيش المصري، المتواجدين على بعض أسطح العمارات على بعد ميل واحد، فهو ضخم البنيان وأشقر، مما يجعله مميزًا عن بقية المتظاهرين، وكان متواجدًا وسط بحرٍ هائجٍ من المتظاهرين، ويحمل كاميرا تليفزيونية ضخمة، أعتقد أن قوات الأمن لم يرق لها رؤيته هناك، لذلك قرروا قتله”.

وبحسب أرملة المصور الصحفي، فإن قوات الجيش والشرطة في مصر، لم تعترف أبدًا بقتله، كما أن التحقيقات الشكلية التي جرت من قبل الطب الشرعي بعد مقتله، لم تفض إلى شيء، وقد وصفت دانييلا دياني لحظة معرفتها بمقتل زوجها، عندما اتصلت بها قناة “سكاي نيوز” هاتفيًا لتُعلمها بخبر مقتل مصور الشرق الأوسط في القناة، وشريك حياتها منذ 35 عامًا، بقولها: “شعرت بألمٍ، لم أشهده من قبل، ولم أشعر بالنصف الأسفل من جسدي”، مضيفةً شعورها بعد مقتله بعدة أشهر، قائلة ً: “كنت أشعر بالمعاناة، فأتطلع في وجوه الناس، وكأنني أبحث عنه”.

تقارير حقوقية
أعدت لجنة حماية الصحفيين بالتعاون مع خمس منظمات حقوقية، تقريرًا لرصد الانتهاكات المقترفة ضد الصحفيين، وكان التقرير قد أوضح أن مايك دين، مصور قناة سكاي نيوز البريطانية، قُتل بطلقٍ ناري، خلال فض اعتصام رابعة العدوية، ولم يتم فتح تحقيقٍ رسمي في هذه الواقعة.

كما نشرت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا تقريرًا، أوضحت فيه ما قالته منظمة “فريدوم هاوس” الدولية غير الحكومية، بأن عام 2013 شهد “انتكاسةً كبيرةً”، مُصنفة مصر بأنها دولة “غير حرة”، في مجال الحريات الصحفية، كما صُنّفت مصر وقتها، في المرتبة 158 من أصل 179، في الترتيب العالمي لحرية الصحافة، حسبما أفادت منظمة “مراسلون بلا حدود”.