عبد الله النديم.. الثائر الذى تصدى بقلمه للخديوي والاحتلال

بعد الاحتلال الانجليزي لمصر، عام 1882 رصدت سلطات الاحتلال و الخديو توفيق 1000 جنيه لمن يرشد عن صحفى شارك فى الثورة العرابية.. مبلغ كبير قد يدفع أي شخص للإرشاد عن مكان الشخص المطوب، ولكن الأهالى، و فى بعض الأحيان الشرطة نفسها، تستروا عليه و أخفوه فى بيوتهم، ﻷنه فى نظرهم الثائر البطل الذى تصدى بقلمه للخديوى توفيق وديكتاتوريته و ظلم الاحتلال و جبروته.

بطل قصتنا فى هذا الأسبوع هو عبد الله النديم، الذى اختفى لمدة تسع سنوات عن الاحتلال والخديوي، و حُكم عليه غيابياً بالنفي، وبعد القبض عليه فى إحدى قرى محافظة الغربية، و أمر الخديو توفيق بنفيه، فأختار يافا لقربها من بيت المقدس، وظل بفلسطين حتى عفى عنه الخديوى (عباس حلمى الثاني).

ولد عبد الله النديم، عام 1842، بالإسكندرية فى أسرة متوسطة الحال، واسمه الحقيقي عبد الله بن مصباح بن إبراهيم الإدريسى، وتلقى العلوم الدينية والعربية فى مسجد القائد إبراهيم، ونبغ فى فنون الأدب وبرع فى الكتابة والشعر والزجل وتميز فى المناظرات المرتجلة واشتهر بروحه الساخرة.

انتقل النديم إلى القاهرة عام 1871، واشتغل فى مكتب بنها للتلغراف، ثم انتقل إلى مكتب القصر العالى حيث تسكن الوالدة باشا أم الخديوى إسماعيل.

وفى القاهرة اختلط النديم بأعلام الأدب والفن والثقافة فى عصره، وأخذت شهرته تذيع بينهم، إلا أن إقامته لم تطل بالقاهرة بسبب فصله من عمله، بعد انتقل إلى الدقهلية واستقر واقام فى المنصورة، وبعد تجواله فى عدة مدن وقرى بالدلتا عاد إلى الإسكندرية ليستقر بها عام 1876.

فى فترة صعود الحركة الوطنية، اتصل عبد الله النديم بعناصر من جماعة مصر الفتاة التى كانت تطرح مشروعًا للإصلاح الوطنى، وبدأ الكتابة بانتظام فى عدد من الصحف التى أصدرها أديب إسحاق وسليم نقاش، وفى عام 1879 شارك فى تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية وأصبح مديرًا لمدرستها كما تولى تدريس الإنشاء وعلوم الأدب والخطابة بها وأنشأ فريقًا للمسرح بالمدرسة.

وفى الإسكندرية بشر بمبادئ حزبه الجديد الذى أسسه “حزب الإصلاح”، كما شارك فى تحرير جريدتى “مصر”، و”التجارة”، ولم يكتف النديم بالنضال الصحفي، ففى عام 1879 أقام النديم فى الإسكندرية محفلاً للخطابة راح يستغله فى نشر دعوته الإصلاحية وأفكاره التحريضية ضد الظلم.

لم يتخذ النديم الكتابة حرفة لأكل العيش فقد كان يكتب بنبضه ودمه، ولو كان من طائفة المتكسبين لما أقدم على أخطر خطوة في حياته، بعدما فاض به الكيل في محاولة الإصلاح الاجتماعي لم يجد سبيلا سوى تغيير هذه الأنظمة السياسية التي تسير المجتمع، فتعرف عبد الله النديم على محمود سامى البارودي، واشترك فى الثورة العرابية عام 1881 م وانضم لها بقلمه و لسانه، فكان وقودا لهذه الثورة، حيث كان صوته يجلجل فى الآذان، ويوقظ الأسماع بنبرته المعبّرة وأدائه الخطابى البديع.

وأصدر النديم عدة مجلات لمؤازرة الثورة العرابية، كمجلة “التنكيت و التبكيت” و”اللطائف”، وانضم إلى أحمد عرابى ومحمود سامى البارودى فى معركة التل الكبير ضد الجيش البريطانى والتى انتهت بهزيمة العرابيين.

بعد فشل الثورة العرابية، أصبح عبد الله النديم على رأس المطلوبين أمنيا، وبعد 9 سنوات كاملة من الهروب والاختباء طاف فيها أرجاء مصر، وتغلغل في أعماق أهلها، وبعد أن اشتدت الملاحقات وضيق الخناق عليه هو وزوجته وخادمه اختبأ ثلاثتهم في سرداب مهجور تحت الأرض لمدة 9 أشهر.

بعد القبض عليه، أصدر الخديوى توفيق قرارًا بنفيه إلى مدينة “يافا”، وبعد تولي الخديوي عباس الحكم سمح له بالعودة مرة أخرى فأنشأ مجلة (الأستاذ)، وكانت أخف لهجة من (التنكيت والتبكيت).

لم يتوقف، هجوم النديم على سلطات الاحتلال البريطاني، بعد عودته من المنفي، مما أغضب اللورد كرومر- المعتمد البريطاني وقتها فنفاه مرة أخرى إلى الآستانة، والتقي هناك بجمال الدين الأفغاني وعمل مفتشا للمطبوعات العثمانية براتب ضخم، وفى هذه الفترة قام بتأليف أهم كتبه (كان ويكون) الذي يعرض فيه آراءه في الدين واللغة والسياسة والحياة.

كما ألف أكثر من 7 آلاف بيت شعر، وروايتين. أشهر كتبه “الاحتفاء في الاختفاء”، “اللآلئ والدرر في فواتح السور”، و”البديع في مدح الشفيع” ، و”في المترادفات”، ومات النديم فى الأستانة عام 1896.

المصادر:

https://2u.pw/WAiil
https://2u.pw/9nRyJ