محمود عزمى.. أول من وضع مشروعًا لنقابة الصحفيين

هناك أشخاص سطروا أسماءهم بحروف من نور، فى مهنة الصحافة، وتركوا لنا سيرة عطرة حافلة بالإنجازات والمواقف المشرفة، ومن هؤلاء الكاتب الصحفى محمود عزمي أحد أبرز رواد الصحافة المصرية، و المدافع الأول عن حرية الصحافة وأول من وضع مشروعا لنقابة الصحفيين.
ولد محمود عزمي فى قرية «شيبة قش» مركز منيا القمح بمحافظة الشرقية عام 1881ودرس القانون جامعة السوربون بباريس عام 1909، وعمل فى جريدة «العلم» التابعة للحزب الوطنى، واختير ليعمل أستاذا للاقتصاد فى مدرسة التجارة العليا ولكنه استقال فى أواخر عام 1918، وتولى رئاسة تحرير جريدة «المحروسة» فى أكتوبر عام 1919م، وفى عام 1920 عمل مراسلا لجريدة الأهرام فى فرنسا وإنجلترا، وأصدر جريدة «الاستقلال» عام 1921 واستمر مديرا لتحريرها.

فى الفترة التى كان يعمل فيها عزمي مدرسا للاقتصاد فى مدرسة التجارة العليا، وتحديدا عام 1914، ألقى القبض عيه وأحيل للتحقيقات في قضية إلقاء قنبلة على موكب السلطان حسين كامل، بعدما وجد اسمه في مفكرة أحد المشتبه في علاقاتهم بالحادث، وأفرج عن عزمي بأمر من حسين رشدي باشا، رئيس الوزراء آنذاك، بعد أن تأكد أنه ليس هناك صلة بينه وبين حادث إلقاء القنبلة، وبعد هذا الحادث توطدت علاقة عزمي برئيس الوزراء وعدلي يكن باشا، وزير المعارف.

وفي سنة 1919، شارك عزمي مع عدد من المثقفين المصريين فى تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي، بهدف مواجهة الاحتلال، وخلال أحداث ثورة 1919 أصدر جريدة سرية سماها “الاستقلال”، لمخاطبة الطلبة والعمال، وظلت تصدر حتى هاجمتها السلطات وأغلقتها.

حاصر عزمي بقلمه استبدال السلطة، فكتب مقالًا بجريدة “السياسة” لسان حال حزب الأحرار الدستوريين، انتقد فيه تدخل الملك فؤاد حكم مصر آنذاك في شئون الحكم، فألقى القبض عليه في يناير عام 1928 ألقي القبض، وأحالته النيابة العامة إلى محكمة الجنايات بتهمة “العيب في الذات الملك” التى حكمت عليه بالحبس 6 أشهر مع وقف التنفيذ، فنقض الحكم وحكمت “النقض” بإلغاء حكم الجنايات، وقضت عليه بغرامة قدرها عشرون جنيها.

عمل عزمي محررا برلمانيا لجريدة “السياسة” الناطقة باسم حزب الأحرار الدستوريين، عام 1922، ثم سافر بعد ذلك مندوبا لها في لوزان أثناء انعقاد مؤتمر الصلح بين تركيا والحلفاء من 22 نوفمبر 1922 إلى فبراير عام 1923.

فى الفترة ما بين عام 1922 و 1923، كتب محمود عزمي سلسلة مقالات تناقش مواد الدستور المصري 1923، وانتقد المادة 15 الخاصة بالصحافة، والتي نصت على أن: “الصحافة حرة في حدود القانون، والرقابة على الصحف محظورة، وإنذار الصحف أو وقفها أو إلغاؤها بالطريق الإداري محظور، إلا إذا كان ذلك ضروريا لوقاية النظام الاجتماعي”، ورأى أن العبارة الأخيرة ما هي إلا استثناء يبطل مفعول حرية الصحافة تماما ويخضعها إلى ما كانت عليه في عهد التحكم الفردي، كما هاجم المادة رقم «149» التي نصت على أن «الإسلام دين الدولة».

فى عام 1928 استقال من جريدة “السياسية، بسبب اعتراضه على سياسة الحزب، وأصدر جريدة معارضة تسمى “وداي النيل”، مع توفيق دياب، وبعد أن أغلقت الحكومة هذه الجريدة، أصدرا عزمي ودياب جريدة “الشرق الجديد”، إلا أنها لم تستمر إلا أسابيع محدودة.

ونتيجة تضييق الخناق عليه فى مصر سافر عزمي إلى فرنسا، وهناك أسس مع مجموعة من الطلبة المصريين “الشعبة المصرية لجماعة حقوق الإنسان”، وحصل لها على عضوية الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، ثم سافر إلى لندن وأصدر هناك جريدة “العالم العربي” بالإنجليزية لتتحول إلى لسان حال المعارضة المصرية في أوروبا، كما راسل من هناك جريدة “الجهاد” التي أصدرها صاحبه توفيق دياب، وأقنعه الأخير بالعودة إلى مصر بعد نهاية عهد صدقي، وعاد ليعمل المحرر الدبلوماسي لـ”الجهاد”.

تولى عزمى رئاسة تحرير جريدة روز اليوسف جريدة يومية عام 1935، وكعادته هاجم عزمي وزارة توفيق نسيم هجوما شديدا بسبب، حيث وصل الأمر إلى اتهامه لرئيس الوزراء بالعمالة للإنجليز، وهو ما تسبب في حرج روز اليوسف فأعلن استقالته حتى لا يعرض الجريدة القريبة من “الوفد” لأي حرج.

وفي 30 يناير 1936 عين محمود عزمي مستشار صحفيا لمجلس الوزراء، وأسس عزمي في ذات العام صحيفة “الشباب”، أشاد فيها بالإصلاحات التي تقوم بها الوزارة.

وهاجم معاهدة 1936 التى وقعتها مصر مع بريطانيا، معتبرا أنها لا تحمل في طياتها عناصر الاستقرار اللازمة للتفاهم بين البلدين، وفي عام 1937 ترك عزمي مصر، وتوجه هذه المرة إلى العراق، وعمل أستاذا للاقتصاد بجامعة بغداد، ولكن في آخر العام الدراسي أطلق عليه أحد الطلبة الراسبين النار فأصاب كتفه، فعاد إلى مصر ليتولى عدة مناصب حكومية.

ينظر محمود عزمي للصحافة على أنها معلمة الأمم، ووسيلة لتعريف الشعب بحقوقه وواجباته ولتربية الخلق ونشر الحميد من الصفات بين الجمهور، واعتبر الصحفي “مربيا للخلق العام ومعلما للرأي العام ومحاميا عن المصلحة العامة”، وآمن أن حالة الصحافة في بلد ما ميزان صحيح لحالة البلد ذاته من جميع جوانبه الثقافية والخلقية والسياسة، ولذلك دعا الحكومات المصرية المتعاقبة إلى التعامل مع الصحافة باعتبارها “سلطة رابعة”، إلى جانب السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، “عليها تبعاتها في توجيه الراي العام ومراقبة ونقد ما يصدر عن السلطات الثلاث من أعمال وأن تنبه الناس إلى أوجه النقص في تلك الأعمال”.

وقد وصف الكاتب محمد حسنين هيكل، محمود عزمي، فى كتابه “من نيويورك إلى كابول” بأنه “المرشد والمعلم”، واعتبره واحدا من أهم العقول المصرية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.

ساهم عزمى خلال مشواره الطويل في بلاط صاحبة الجلالة، فى وضع اللبنة الأولى لمشروع نقابة الصحفيين، وأسس معهد الصحافة والترجمة، وكان رقيبا على المطبوعات في وقت الحرب العالمية الثانية.

واختارت وزارة الخارجية المصرية عزمي ليمثل مصر بصفته الشخصية في لجنة حرية تداول الأنباء الفرعية التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة عام 1949م، وقدم في يونيو من ذات العام مشروعا لتنظيم حرية تداول الأنباء يقضي بحماية المراسلين الأجانب.
ويرجع الفضل في الوصول إلى عهد الشرف الدولي للصحفيين لمحررنا الصحفي محمود عزمي الذي قدم إلى لجنة حرية الأنباء نصوص مشروعه عام 1950، كقانون للسلوك المهني للعاملين بالصحافة.

وفي يوليو عام 1951 قدم عزمي مع مندوبي فرنسا وكوبا وهولندا مشروعا للجنة الاجتماعية يقضي بإنشاء لجنة من خبراء 15 دولة لوضع شروط اتفاق دولي لحرية الأنباء، وشارك في مؤتمر الشئون الصحفية بمدينة إيفيان الفرنسية ممثلا عن مصر وتحدث عن حق الصحفيين في حرية البحث والتعبير في كل مكان وأدت مواقفه في لجنة حرية الأنباء إلى اعتباره المدافع الأول عن حرية الصحافة في الأمم المتحدة وكان لهذا أثرا في انتخابه رئيسا للجنة عام 1952، وأقرت اللجنة فور ترأس عزمي لها عهد الشرف الدولي للصحفيين، ورفعته إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي ليقره في نوفمبر عام 1952، ووافقت عليه الجمعية العامة رغم محاولات إجهاضه من بعض الدول الكبرى.

وانتخب محمود عزمي رئيساً للجنة حقوق الإنسان في مارس سنة 1953م كما أُعيد انتخابه كذلك في مارس سنة 1954م، وفي مايو سنة 1954 صدر مرسوم بتعيينه رئيساً لوفد مصر الدائم في الأمم المتحدة.

بعد اندلاع ثورة ١٩٥٢ أيد عزمى قرارت حل الأحزاب ووضع دستور جديد للبلاد، فحاز على تقدير قادة الثورة، وتم اختياره عضوا في لجنة الخمسين التي تشكلت عام 1953 لوضع الدستور الجديد، وشارك في لجنة الحريات والحقوق والواجبات التي ترأسها محمد علوبة باشا.
تولى محمود عزمي، رئاسة وفد مصر الدائم في الأمم المتحدة في سبتمبر عام 1954، وودع الحياة في نوفمبر من ذات العام وهو يرد علي كلمة مندوب إسرائيل في مجلس الأمن حول احتجاج تل أبيب علي احتجاز مصر السفينة “بات جاليم” بعد أن اعتدت على نقطة حراسة مصرية في ساحل البحر الأحمر، ليصاب إثر إنفعاله بأزمة قلبية ويسقط وتصعد روحه.

وحدادا على وفاته قررت الأمم المتحدة تنكيس أعلامها لمدة أسبوع، وأوقفت جميع لجان المنظمة أعمالها لدقيقة واحدة، وألغت الوفود العربية جميع حفلاتها لمدة أسبوعين، وخصصت الجمعية العمومية جلسة رثاء لـ”المدافع الأول عن حرية الصحافة” استمعت فيها إلى كلمات 33 مندوبا أشادوا فيها بجهوده.

 المصادر:

https://2u.pw/HGQha

https://2u.pw/PXCZm