يسرى شبانة.. عابد فى محراب صاحبة الجلالة

بطلنا هذا الأسبوع، فارس من فرسان الصحافة النظيفة، ونجم من نجوم جريدة الوفد فى الزمن الجميل.. كان بشوشًا هادئًا أحبه كل من تعامل معه.. جمع بين الخلق القويم والنزاهة الترفع عن المغريات.. فتعالوا بنا نتعرف على السيرة الذاتية للكاتب الصحفي يسرى شبانة مدير تحرير جريدة الوفد الذى رحل عن عالمنا يوم الأربعاء 22 يونيو 2022، متأثرًا بجلطة فى القلب.

تخرج يسري شبانه فى قسم الصحافة جامعة الأزهر عام 1983، و التحق بجريدة الوفد سنة 1987 مع بداية صدور العدد اليومي للجريد، لذا يعتبر واحد من الرعيل الأول الذي أسهم في نشأة جريدة الوفد.

بدأ حياته المهنية محررًا فى قسم الحوادث وتولى تغطية مديرية أمن القاهرة لسنوات طويلة حقق خلالها نجاحات عديدة وانفرادات كان لها أثر طيب فى رفعة جريدة الوفد وشهرتها، كما تولى رئاسة قسم الحوادث، ثم ترقى نائبا لرئيس التحرير ثم مديرًا للتحرير، ومشرفًا على بوابة الوفد الإلكترونية.

سافر فى الثمانينيات لتغطية حوادث الإرهاب التى كانت تجتاح مدن الصعيد، كما قام بتغطية أحداث الفتنة الطائفية التى اندلعت فى هذه الفترة، إلى جانب تغطيته حادثة اصطدام قطار السويس بأتوبيس الأطفال فى مزلقان عين شمس الذى راح ضحيته العديد التلاميذ عام 1987، وقد تحولت قصة هذا الحادث إلى فيلم من بطولة الراحل أحمد زكى بعنوان «ضد الحكومة» فى 1992، كتب قصة الفيلم وجيه أبو ذكرى، وأخرجه الراحل عاطف الطيب.

وفى قمة مجده فى الوفد جاءت إلى يسرى شبانة فرص للانتقال إلى مؤسسات قومية عريقة مثل الأهرام والأخبار، إلا أنه رفض حبا وعطاءً للوفد، وظل بطلنا يعطي لجريدة بلا مقابل إلى أن أحيل إلى المعاش بعد بلوغه الـ 60 عامًا.

السجل الشخصي ليسرى شبانة عامر بالمواقف النبيلة، بشهادة كل من تعامل معه، فقد كان بطلنا داعما لشباب الصحفيين، وناصحًا أمينًا و مساندًا لهم فى بداية مشوارهم المهني، ومدافعًا عنهم إذا تجاوز أحد من الزملاء القدامى فى حقهم.

كان شبانة أمينا في عمله يطبق القوانين واللوائح حتى على نفسي، وروى أكثر من صحفي عمل بالوفد، بينهم الكاتب الصحفي على عبد الودود مدير تحرير بموقع مصراوي حاليا، أن الراحل يسرى شبانة عندما كان رئيسا لقسم الحوادث، طرق باب رئيس التحرير وقتها عباس الطربيلي، وقدم إليه مذكرة يطلب فيها خصم لنفسه بسبب تأخيره عن العمل، وعندما استفسر منه الطرابيلي عن السبب: “أنا تأخرت النهاردة على غير العادة ولازم يتخصم لي زي ما بعمل خصم للناس لو قصرت”.

وعن يسري شبانة، قال عنه عبد الوهاب السهيتى، : “يسرى شبانه واحدا من الجيل الذي تبعنى فى المرحلة العمري… قضى نصف عمره فى أقسام الشرطة ومديريات الأمن وأروقة المحاكم، ورغم البيئة التى تعامل معها من خلال عمله بالحوادث، فلم تسمع فى حياتك منه لفظا خادشا أو كلمة تسيء لزميل، . لم يختلف إلا باحترام .. لم ينطق إلا صدقا .. ليس حاضرا فى أى مجلس نميمة .. وإذا فرض عليه فهو لسان لكل غائب مدافعا عنه فى غياب.. أينما وجد هو محب مجيد لعمله كبيرا شامخا راضيا حتى لو عمل عضوا فى كتيبة رئيسها أحد تلاميذه”.

فى فترة الثمانينات، كان ضباط وأفراد شرطة يتجاوزون في حق الصحفيين بدعوى «مُحاربة إرهاب الجماعات الإسلامية»، وتكررت الإساءات من جانب وزير الداخلية الأسبق، زكى بدر، وفي هذه الفترة كان يسرى شبانة مكلفا بتغطية أخبار مديرية أمن القاهرة واستطاع أن يحقق الكثير من الخبطات الصحفية وفرض نفسه بأدبه وأخلاقه ليكون معشوقا.

وفي تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، نقل الكاتب الصحفي جمال أبو الفتوح، شهادة قالها لواء شرطة فى حق شبانة، قائلا: “كنت فى زيارة لأحد أصدقائي والتقيت عنده مصادفة بلواء شرطة على المعاش.. وبعد التعارف قال لى كان عندكم صحفى فى الوفد لا أنساه أبدا رغم تعاملى معه لفترة قصيرة و لم ألتقيه منذ أكثر من 20 عاما .. اسمه يسرى شبانه.. ولما سألته عن السبب قال : هذا الرجل ضمير يمشى على قدمين و نموذج من البشر يجدد أملا فقدته بسبب صعوبة التعامل مع الناس .. فهو يجمع بين الخلق القويم والنزاهة والترفع عن المغريات بأدب شديد.. مخلص فى عمله و أمين فى تعامله ويمتلك شخصية وسيمة قلبا وقالبا ووجها بشوشا صادقا حتى أنك تفرح كلما رأيته … وأنا شخصيا أعتقد أن يسرى ترك هذا الأنطباع لدى كل من تعامل معه .. فقد كان يسحرني بأخلاقه وأدبه و اخلاصه”.

ويقول الكاتب الصحفى مجدى حلمى فى مقال له بعنوان “وداعًا يسري شبانة” عن رفيق دربه:” فقدت أخي وصديقي وزميل العمر يسري شبانة.. مشوار طويل من العمل معًا في جريدة الوفد ثم في بوابة الوفد الإلكترونية.. كان يتحمل المسئولية ويؤديها بكل أمانة وصدق وإخلاص، دقيق في عمله لم أتدخل يومًا في وظيفته، وكنت أحمل عليه أعباء فوق طاقته كان يؤديها بحب وإخلاص”.

وأضاف:” يسري شبانة لم يكن صحفيًا فقط. ولكن كان مديرًا موهوبًا، يعرف أصول العمل الإداري، ويعرف وقت الشدة كيف يكون شديدًا ووقت اللين كيف يكون لينًا. كان يظهر الشدة على الزملاء ويأتي إلى ويقول لي «إرخي معهم أنت».. همه كيف يسير العمل بانتظام وانضباط”.

وتابع :” يسري شبانة لم يخن الأمانة التي حملها في حين خان غيره، لم يتربح من عمله في الوقت الذي فلعها غيره، لم يضرب زملاءه بخنجر من الخلف حتى يصعد على أكتافهم ويأخذ مكانهم في الوقت الذي تلقى فيه عشرات الخناجر في ظهره من ناس ساعدهم وأخذ بيدهم في سلم الصحافة وعندما اشتد ساعدهم طعنوه من الخلف، كان يشكو منهم لكنه كان يسامحهم في أول لقاء بهم”.

وقال أيضًا:” يسري شبانة البشوش صاحب القلب الطيب النقي، صاحب الابتسامة الرقيقة، لم يكن يوما مؤذيًا ولم يكن يحمل حقدًا في قلبه وعقله، كان كارهًا للظلم، متعاطفًا مع كل مظلوم حتى لو لم يعرفه. حاز على تقدير واحترام الجميع حتى مصادره في جميع مديريات الأمن كانوا يحبونه ويحترمونه. بل يمدونه بالأخبار قبل زملائه ثقة فيه وتقديرًا لأدبه الجم”.