محمود عوض.. عندليب الصحافة المصرية

“ذهبت إلى منزله حسب موعد حدده له سلفا، وطرقت الباب لم يرد.. ولمحت جرائد الجمعة والسبت أسفله، وأدركت أن الأستاذ مات، اتصلت بالشرطة، اقتحموا الشقة فور وصولهم، وتوقف أحدهم فجأة صارخًا: “هنا.. في غرفة النوم”، كان مسجيًا على الأرض في وضع أقرب للسجود”..

هكذا وصف لنا الصحفي خيري حسن مشهد وفاة عندليب الصحافة المصرية محمود عوض، الذى عاش حياته متمردا، إلى أن رحل وحيدًا وسط أدوات تمرده ومقاومته، أقلامه وأوراقه في 31 أغسطس عام 2009، حيث توفي قبل يومين كاملين دون أن يدري أحد بوفاته.

ولد محمود عوض يوم 28 ديسمبر 1942 في مدينة طلخا التابعة لمحافظة الدقهلية، وكان متفوقا فى دراسته، لدرجة أن والده تلقى خطابا من كمال الدين حسين، وزير التعليم آنذاك، يضم شيكا بمبلغ 25 جنيها لابنه المتفوق.

حضر عوض إلى القاهرة في مطلع ستينيات القرن الماضي، حصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، ولكنه فضل العمل بمهنة الصحافة، وحصل على فرصة للعمل بالقسم الاقتصادي بمؤسسة أخبار اليوم مقابل 20 جنيه شهريا، في عام 1965 انتقل إلى قسم الدراسات الشخصية، وكتب عن الأعلام والنوابغ وجمع مقالاته تلك في كتابه الشهير “شخصيات”.

في عام 1965، تم القبض على الكاتب الصحفي مصطفى أمين رئيس تحرير الأخبار بتهمة التخابر، وسط الأوراق التي كانت بحوزته قصاصة بها اسم محمود عوض وزميله إبراهيم صالح، ألقي القبض عليهما وسجنا 3 شهور على ذمة التحقيق، إلى أن تم إخلاء سبيلها بعد التيقن من أن علاقتهما بمصطفى أمين مهنية بحتة.

خرج عوض ليستأنف حواراته مع أهل الفن والأدب، وصار نجما لامعا ليس في سماء الصحافة فقط بل في سماء الفن أيضا، توطدت علاقته بأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وبليغ حمدي ومحمد الموجي، كما جالس عمالقة الأدب مثل توفيق الحكيم وطه حسين.

وثق عوض السيرة الذاتية لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وكوكب الشرق أم كلثوم، كما ألف مسلسلاً إذاعيا للعندليب عبد الحليم حافظ اسمه “أرجوك لا تفهمني بسرعة”.

كان من السهل أن يقبل بما قدمته له الحياة ويرضى بما حقق في بداياته من توهج لموهبة فذة في الكتابة السياسية والاجتماعية والفنية، ويصعد ذات الدرجات التي رفعت أنصاف المواهب من أبناء جيله ليتولوا أهم المناصب في شارع الصحافة، لكنه اختار أن يكون أحد حراس البوابة، يدق جرس الإنذار محذرا من الاستسلام للأمر الواقع، والرضا بما هو قائم، والقنوع بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان.

عارض محمود عوض مفاوضات السادات مع العدو الإسرائيلي، وكتب سلسلة ترجمات عن إسرائيل من الداخل احتفى بها ضباط القوات المسلحة على الجبهة، وشارك في برنامج إذاعي عن نفس الموضوع

وغضب السادات عليه بسبب مواقفه من إسرائيل، وفى عام 1977 عصف موسى صبري رئيس التحرير بمحمود عوض وأوقفه عن الكتابة، فلجأ صاحبنا إلى القضاء وحكم له في عام 1982 بالتعويض إلا أن محكمة النقض ألغت الحكم في 1983، خاض بعدها جولة أخرى إلا أن المؤسسة نجحت في انتزاع حكم لصالحها.

في فترات التوقف أصدر عوض العديد من الكتب، منها “أفكار ضد الرصاص” و“ممنوع من التداول”،و “أفكار إسرائيلية”، “وعليكم السلام”، “الحرب الرابعة.. سري للغاية”، و”متمردون لوجه الله” وفى كتابه الأخير تناول سيرة خمسة من المتمردين هم: أبن حزم، ابن تيمية، رفاعة الطهطاوي، جمال الدين الأفغاني، وعبد الله النديم.

وانتخب عوض فى مجلس نقابة الصحفيين في عام 1983، فتولى رئاسة لجنة الحريات، وأسس جائزة التفوق الصحفي، ونجح في تدبير تمويلها من مشاركات كبار الصحفيين، ومنهم الأستاذ محمد حسنين هيكل والأستاذ أحمد بهاء الدين.

في منتصف الثمانينيات، عرض عليه مصطفى كامل مراد رئيس حزب الأحرار رئاسة تحرير جريدة الحزب، ونجح عوض في القفز بتوزيع “الأحرار” إلى 160 ألف نسخة خلال أسابيع، إلا أن تلك التجربة لم يكتب لها الاستمرار طويلا، وانتهت علاقة عوض بالصحيفة بعد 13 عددا فقط نتيجة خلافه مع قادة الحزب.

فتحت صحف عربية مرموقة كالحياة اللندنية والوطن الكويتية أبوابها لمحمود عوض، ليطل منها على جمهوره بتحليلات في الشأن العربي والدولي والصراع العربي الصهيوني، و انتظم قبل وفاته في كتابة مقال بموقع “اليوم السابع”.

المصدر:

محمود عوض.. متمرد لوجه الله