أحمد الشامي..كبير الصحفيين الاستقصائيين

بطل حكاية اليوم صحفي تحقيقات استقصائية، يتميز بقدرته الهائلة على اصطياد الأخبار والأحداث التى تستحق البحث، و تحليل المعلومات والبيانات والأرقام وصياغتها بشكل دقيق يوضح الحقائق بدون أي أحكام مسبقة، هذا إلى جانب قدرته أيضًا على كتابة التحقيق في شكل قصة مشوّقة ذات طابع سردي من شأنها جلب انتباه القارئ والتأثير فيه.. فتعالوا بنا نتعرف على الكاتب الصحفي أحمد الشامي كبير الصحفيين الاستقصائيين بقسم الوثائقيات العربية بهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

البداية
حصل الشامي على بكالوريوس علاقات دولية من جامعة حلوان، وبعد أن أنهى تعليمه، عمل في معهد أبحاث لبضع سنوات، وفي عام 2011 أصبح مهتمًا بالصحافة، وبدأ في إنتاج تقارير مصورة قصيرة بالتعاون مع وسائل إعلام مصرية محلية.

تأثر الشامى بالعديد من الشخصيات التى حببته في مهنة الصحافة منهم على سبيل المثال لا الحصر، (جيرمي سكاهيل – مارك هانتر – سيمون هيرش – يسري فودة – رنا الصباغ – هدى عثمان).

عندما اهتم بالصحافة الاستقصائية لأول مرة ، كان عليه أن يبحث في مكان آخر ليجد المعرفة التى تؤهله لإنتاج قصص صحفية لها صدى لدى القارئ ومن شأنها أن تحدث تغييرا فى المجتمع، لذا بدأ عام 2011 في البحث عن المنتديات والشبكات ذات الصلة التي تقدم الدعم والتدريب للصحفيين، وتواصل مع المركز الدولي للصحفيين (ICFJ)، بالإضافة إلى منظمات دولية أخرى تعمل في مجال الصحافة الاستقصائية.

تجربة أريج
كان لشبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) دورًا حاسمًا في مسيرة الشامي المهنية في الصحافة الاستقصائية، ففي هذه المؤسسة تعرف بطلنا على عالم جديد، وساهمت (أريج) في معرفته بالقانون، وكيف يمكنه الحصول على الوثائق ذات الصلة بموضوعه الاستقصائي، كما تعلم منها كيف يحمي نفسه ومصادره، الذين لا يجب أن يتعرضوا للخطر أو أن يواجهوا المزيد من التحديات بسبب تحقيقاته الاستقصائية، وأتاحت له مؤسسة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية فرصة المشاركة في التدريب وورش العمل التي جعلته الصحفي الذي هو عليه اليوم، لذا تعتبر (أريج) بالنسبة له بيته وعائلته والداعم المستمر له خلال مختلف المراحل.

تنقسم تجربة الشامي مع (أريج) – الممتدة على مدى سبعة أعوام- إلى مرحلتين؛ المرحلة الأولى: عمل خلالها في مجال التحقيقات الاستقصائية، وتعلّم العديد من المهارات والأدوات المهمة للعمل، مثل تتبع المال والفساد، والتصوير باستخدام مختلف أنواع الكاميرات فضلا عن السرد القصصي والإخراج البصري للتحقيقات وغيرها من المهارات والأساليب الحديثة، وأنتج خلال تلك الفترة العديد من التحقيقات الاستقصائية المكتوبة، التلفزيونية والمالتيميديا، وحصد عدد كبير من الجوائز الدولية.

أما المرحلة الثانية: فكانت مرحلة مختلفة، عمل فيها مدربًا ومشرفا لتطوير وإنتاج التحقيقات الاستقصائية التلفزيونية والمالتيميديا وذلك عبر مشروع “سوريا بعمق” بالتعاون مع مؤسسة الجارديان في بريطانيا وIMS في الدنمارك، وعلى مدى عام ونصف العام، شارك الشامي في تدريب العديد من الزملاء الصحفيين السوريين على التحقيقات الاستقصائية وتطوير الأفكار المقترحة، مرورًا بالتصوير والإنتاج، وصولًا لمرحلة النشر، وفاز عدد من معدّي تلك التحقيقات بجوائز دولية.

الإذاعة الدنماركية
عمل الشامي في مؤسسة الإذاعة الدنماركية (Danmarks Radio) لفترة قصيرة، في عام 2015، خلال هذه الفترة تعرف أحمد على الطريقة الدنماركية لممارسة الصحافة الاستقصائية.

بي بي سي
العمل في (بي بي سي عربي) في قلب العاصمة البريطانية لندن هو حلم الكثير من الصحفيين العرب، ومع ذلك، يصبح الحلم حقيقة بالنسبة لعدد قليل منهم، وذلك ﻷن (بي بي سي) تتلقى آلاف الطلبات لشغل وظائف في مكاتبها بلندن، واحتمالات تعيين أحدها ضئيلة جدًا.

فى عام 2019 تلقى أحمد الشامي بريدًا إلكترونيًا من هيئة الإذاعة البريطانية، يعرضون عليه منصب كبير الصحفيين الاستقصائيين بقسم الوثائقيات العربية بالهيئة، لينتقل الشامي من كونه صحفيًا مستقلاً مقيمًا في القاهرة إلى العمل في مقر (بي بي سي عربي) في لندن.

لم يكن وصول الشامي إلى (بي بي سي) أمرًا سهلًا ويسيرًا، بل سبق هذا الكثير من الجهد والعمل، البداية كانت بتحديد الهدف: فقد كانت رغبته منذ زمن أن يعمل في الـ(بي بي سي)، لذلك قام بقراءة ومتابعة المهارات المطلوبة للعمل في هذه المؤسسة، من أجل تقييم ما لديه، ووضع خطة للتطوير والاستعداد للفرصة المناسبة هناك.

بعدها وضع خطّة لمدة عامين، قام خلالها بتطوير مهارات اللغة العربية بحضور ورشات تدريبية متخصصة، وكذلك بمذاكرة ومراجعة كتب شرح قواعد النحو والصرف في اللغة الإنجليزية، إلى جانب تطوير وتحديث مهارات العمل الصحفي الاستقصائي في مجال البحث والتتبع واستخدام المصادر المفتوحة وقواعد البيانات المتخصصة، وآخيرًا استعد جيدًا للاختبارات المختلفة للعمل في (بي بي سي)، وهي اختبارات صعبة ينجح فيها نسبة ضئيلة من المتقدمين.

الجوائز
حصل أحمد الشامي على زمالة في الإعلام الجديد من الولايات المتحدة الأمريكية، وعدة جوائز عالمية في التحقيقات الاستقصائية، منها على سبيل المثال لا الحصر جائزة (دوسكو يوفانوفيتش) الدولية للصحافة الاستقصائية، وجائزة أفضل فيلم وثائقي استقصائي من المهرجان الدولي للفيلم القصير بالمغرب، وجائزة أفضل فيلم وثائقي استقصائي في مهرجان سوسة الدولي لسينما الشباب، وجائزة DIG الدولية في الصحافة الاستقصائية المتلفزة.

وخلال مسيرته المهنية شارك الشامى فى إعداد الكثير من التحقيقات الاستقصائية المهمة، سنسلط الضوء على 3 تحقيقات فقط فى السطور التالية، وهم: (خلف أبواب الصمت)، و(كليوباترا صنعت خارج مصر)، و(وثائق باندورا).

خلف أبواب الصمت
في نهاية عام 2013 كان الشامي قد انتهي من العمل على تحقيق استقصائي عابر للحدود مشترك جمعه مع ‏صحفية من الأردن وأخرى من لبنان، تحت إشراف المركز الدولي للصحفيين، حول التحرش والاغتصاب ‏في الدول الثلاث مصر والأردن ولبنان، وكانت المفاجأة بالنسبة له هي أن أعداد ضحايا جرائم التحرش والاغتصاب داخل الأسرة كبيرة ولكن ‏الضحايا لا يرغبن في الحديث.

قرر أحمد اقتحام ذلك الكهف وعمل تحقيق استقصائي عن تلك الجرائم، محاولا الوصول للضحايا ‏وسماع شكواهم وتأثير تلك الجرائم نفسيا وجسديا عليهن، لمعرفة هل هذه الجرائم تمثل حوادث فردية أم ‏ظاهرة كبيرة مسكوت عنها.‏

وفي عام 2014، حصل الشامي على ورشة تدريب حول إنتاج التحقيقات الاستقصائية استمرت عدة أسابيع، وفور انتهاء الدورة سنحت له فرصة عمل فيلم وثائقي عن ” زنــاـ-المحــارم” داخل المجتمع المصري أطلق عليه اسم “خلف أبواب الصمت”.

ورغم كونه موضوعًا شائكا يصعب إلقاء الضوء عليه، إلا أنه نجح في إنجازه بالأدوات التي اكتسبها من الورش التدريبية فى (أريج)، وأثار الفيلم نقاشًا واسع النطاق حول الظروف التي يعيش فيها ضحايا هذه الظاهرة، وتم عرضه في عدة بلدان، وحصل الشامي على سبع جوائز عن هذا الإنتاج.

بعد نشر التحقيق بشقيه المكتوب والمصور، قامت العديد من المؤسسات الإعلامية بعرض التحقيق ‏والتحدث عن المشكلة في العديد من البرامج الحوارية، كما تلقي الشامي العديد من الرسائل من ضحايا جدد، تحدثن عن الجرائم التي اُرتكبت بحقهن، ويرغبن في ‏الحصول على مساعدة من المراكز المختصة بقضايا المرأة، بالإضافة لرسائل شكر من ضحايا بعدما ‏عرفوا من التحقيق كيف يكون التصرف الأمثل وأين يذهبن لتلقي المساعدة النفسية والقانونية.

كما اهتم المركز القومي لحقوق المرأة بالتحقيق وأعلن عن قيامه بصياغة خطة استراتيجية للقضاء على ‏العنف ضد المرأة، تم فيها تقديم معالجة لكل أوجه القصور في التشريعات ودور الإيواء واستقبال شكاوى ‏المرأة.

كليوباترا صنعت خارج مصر
وإلى جانب تحقيق “خلف أبواب الصمت”، أعد الشامي تحقيق”كليوباترا صنعت خارج مصر”، فى نهاية عام 2018، بالتعاون بين شبكة (أريج) وشبكة البلقان للتحقيقات الاستقصائية (بيرن)، نال عنه جائزة أفضل تحقيق استقصائي لعام 2019.

وكشف الشامي فى تحقيقه الذى استمر ثلاث سنوات، جمع خلالها وثائق وأدلة من 11 دولة مختلفة، فشل شركة الشرقية للدخان المملوكة للدولة، والتي تنتج سجائر كليوباترا ، في حماية علامتها التجارية، مما أدى إلى خسائر فادحة في الإيرادات للدولة.

وعندما نُشر الجزء الأول من التحقيق في موقع (مصراوي) أحد أكبر وسائل الإعلام الرقمية في مصر، حاولت الشركة إيقاف سلسلة الموضوعات القادمة الخاصة بالتحقيق، ولكنها فشلت، ونشر الموقع الإخباري المصري جميع المقالات المتبقية، ونتج عن هذا التحقيق انخفاض سهم الشركة، وبدء مجلس النواب المصري مشاورات حول هذا الموضوع الذى حظي باهتمام إعلامي كبير في مصر، وتم تقديم أحمد الشامي كشاهد عندما شكل البرلمان لجنة للتحقيق في القضية.

وثائق باندورا
الشامي شارك أيضًا في تحقيق (وثائق باندورا)، وهي عبارة عن تسريب لأكثر من 12 مليون مستند وملف من الشركات التي تقدم خدمات خارجية في الملاذات الضريبية حول العالم.

و سلطت هذه الوثائق الضوء على الأسرار المالية لبعض أغنى أغنياء العالم، بما في ذلك قادة العالم وسياسيون ومشاهير. وتم الحصول على البيانات من قبل الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين في واشنطن العاصمة، والذي قاد أكبر تحقيق عالمي من نوعه على الإطلاق. وقد تتبع أكثر من 600 صحفي من 117 دولة، الثروات الخفية لبعض أقوى الأشخاص على هذا الكوكب، وقادت (بي بي سي بانوراما)، وصحيفة (الجارديان) التحقيق في المملكة المتحدة.