بعد توقف الإصدارات الورقية.. هل صحفيو الطبعات المسائية مهيأون للتحول إلى عالم “الديجيتال”؟

بالأمس غربت شمس الصحافة الورقية المسائية فى مصر، بعد أن تراجع دورها، وفقدت رونقها وبريقها، وسرقت منها المواقع الإخبارية الإلكترونية عرشها التاريخي الذي تربعت عليه لسنوات طويلة، ونتيجة لتغير الأحوال وتبدل الظروف، أوقفت الهيئة الوطنية للصحافة، الإصدارات المطبوعة لجريدة الأهرام المسائى الصادر عن مؤسسة الأهرام، والأخبار المسائي، الصادر عن مؤسسة أخبار اليوم، و المساء، الصادرة عن مؤسسة دار التحرير للطبع والنشر، وقررت تحويلها إلى إصدارات إلكترونية، مع شروق شمس يوم 15 يوليو 2021.

وفى عددها الأخير الصادر أمس الأربعاء، اختارت جريدة المساء أن تدون على شريط باللون الأسود عبارة “انتظروا المساء الإلكتروني من الغد”، بينما كتبت الأخبار المسائي «غدا العدد الأخير.. الأخبار المسائي صفحات من جريدة لها تاريخ» ليكون يوم الخميس 15 يوليو 2021 عدد الوداع، أما الأهرام المسائي، فقد تزين فى آخر إصداراته، بمقال لرئيس تحريره ماجد منير يحمل عنوان «ورقية أو إلكترونية.. الأهرام المسائي علامة في تاريخ الصحافة المصرية».

لم يمر قرار وقف النسخ الورقية للصحف المسائية الحكومية وتحويلها إلى منصات إلكترونية مرور الكرام، بل صحبته عاصفة انتقادات كبيرة لعدد من الصحفيين الذين اعتبروا إعلان شهادة وفاة الطبعات الورقية بالإعلام الحكومي، والتوجه نحو الرقمنة خسارة فادحة للصحافة المصرية والعربية، فيما دشن بعض الصحفيين العاملين بجريدة المساء، وسم «لا لإغلاق جريدة المساء» عبروا من خلاله عن رفضهم للقرار، وأرسلوا خطابا إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، طالبوه فيه بـ«وقف العمل بالقرار واستمرار إصدار الجريدة».

وجاء القرار الأخير ضمن خطة أعدتها الهيئة الوطنية للصحافة قبل عدة سنوات لتطوير الصحف القومية التابعة لها، وتضمنت الخطة محورين رئيسيين، الأول يتعلق بالرقمنة والثورة التكنولوجية، من خلال إنشاء بوابات إلكترونية للصحف، وتدريب الصحفيين على مهارات الإعلام الرقمي، وتسويق كنوز المؤسسات الصحافية القومية، أما المحور الآخر فيتعلق بإعادة الهيكلة والإصلاح المالي والإداري، من خلال الحصر الشامل للأصول، مع تحديد الأصول التي يتم بيعها سواء للاستثمار أو سداد الديون.

وعن الأسباب التى دفعت الهيئة الوطنية للصحافة لإتخاذ هذا القرار، يرى الدكتور رامي دويدار أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة الأزهر، أن الدولة المصرية بدأت تتخذ خطوات فى الفترة الأخيرة نحو تقليص النفقات الخاصة بالمؤسسات الحكومية التى لا تنتج والتى لا تدر أرباحًا، وذكر أن المؤسسات الصحفية القومية تعج بالصحفيين دون إنتاج، لأسباب متنوعة أبرزها انخفاض نسب الإعلانات وسوء التوزيع.

فى الماضي كانت الصحافة القومية صاحبة الذراع الثقيلة في الإعلام المصري، حيث كان النداء المشهور في الشوارع لبائع الجرائد (أخبار- أهرام- جمهورية)، ومع الوقت أصبح المنادي مضطرًا أن يزيد بعض الأسماء إلى العمالقة الثلاثة، بعد ظهور الصحف الحزبية والمستقلة، وبدأ الصراع الورقي-الورقي، ومع مرور الزمن دخلت وسائل إعلامية أخرى في مضمار التنافس كالقنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، فأصبحت المنافسة (ورقية- فضائية- إلكترونية)، مما أثر بشكل كبير علي شكل ومحتوى وانتشار الصحافة الورقية بشكل عام وليس القومية فقط.

تتميز الصحافة الإلكترونية، عن نظيرتها الورقية، بأنه تكسر حاجز الزمان والمكان والمسافة، وتنقل الخبر لحظيًا فى نفس وقت وقوعه، كما تتنوع أشكال وأنماط عرض المعلومات على المواقع الإخبارية، بحيث يمكن للمواطن سماع المعلومات أو مشاهدتها فى فيديو أو قراءتها، على عكس الإصدار الورقي، فليس أمامه سوى قراءتها فقط فى اليوم التالي لوقوعها.

ويتطلب العمل فى المواقع الإخبارية، ضرورة أن يتحلى الصحفي بمهارات وإمكانيات خاصة، هذه المهارات يفتقدها معظم العاملين فى المؤسسات الصحفية القومية –على حد قول أستاذ الإعلام بجامعة الأزهر- الذى أشار للمرصد المصري للصحافة والإعلام إلى أن قطاع كبير من الصحفيين بهذه المؤسسات يعتمدون على فكرة الموظف الذى يحصل على الخبر من أي مؤسسة حكومية ولا يكلفون أنفسهم عناء التفكير فى قضية أو قصة صحفية مثيرة ومدعومة بالوثائق والمصادر، موضحا فى الوقت ذاته أن الصحف المسائية بعد تحولها إلى إصدارات رقمية إذا استمرت بنفس الوضع التقليدي ونفس التغطية التقليدية للمواقع الإلكترونية الحكومية الحالية سيبقى الوضع على ما هو عليه.

وأكد رامي دويدار، أن هذه المؤسسات تحتاج إلى ضخ دماء جديدة من شباب الصحفيين، لأنهم بحكم السن هم الأقدر على استخدام التكنولوجيا الحديثة فى إنتاج قصص صحفية تعبر عن نبض الشارع المصري، باعتبارهم متابعين جيدين لأحوال المجتمع وهمومه ومشاكله من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

وعلى النقيض من تصريحات أستاذ الإعلام، أكد سعد سليم رئيس مجلس إدارة مؤسسة دار التحرير للطبع والنشر السابق، أن الصحفيين بهذه المؤسسات مهيأون للتحول إلى عالم “الديجيتال”.

وقال فى تصريح خاص لـ”المرصد المصري للصحافة والإعلام”،:إن جريدة المساء بها كوادر صحفية قادرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، موضحا أنه تم تدريبهم بشكل كبير على كافة فنون العمل الصحفي منها التعليق الصوتي والمونتاج والتوك شو والخرائط التفاعلية والفوتوشوب، قبل صدور قرار الهيئة الوطنية للصحافة.

فى السياق ذاته تواصل المرصد المصري للصحافة والإعلام هاتفيًا، مع الكاتب الصحفي ماجد منير رئيس تحرير الأهرام المسائي، الذى أشار إلى أنه تحدث عن كل ما يتعلق بمسألة وقف الإصدارات الورقية والتحول الإلكتروني فى مقاله الأخير الذي يحمل عنوان «ورقية أو إلكترونية.. الأهرام المسائي علامة في تاريخ الصحافة المصرية».

وفى مقاله الأخير الذى زين الصفحة الأولى لـ”الأهرام المسائي”، أكد منير أن جريدته وهي تبدأ مرحلة التحول لتصبح إصدارًا إلكترونيا، مؤهلة بما تمتلكه من رؤى وكوادر مهنية لمواصلة دورها وإن تغير الوسيط من الورقي إلى الإلكتروني.

وقال رئيس تحرير الأهرام المسائي،: “إن هذا التحول يمثل استجابة لمتطلبات مرحلة جديدة فى بناء الدولة الوطنية وبدء الجمهورية الجديدة، ويتزامن مع نقلة حضارية تصبح فيها كل التعاملات والعلاقات محليا وإقليميا ودوليًا عبر وسائط إلكترونية، فالاتجاه نحو الرقمنة أصبح أبرز متطلبات المرحلة المقبلة”

وأضاف، أن الأهرام المسائي فى تحولها إلى الإصدار الإلكتروني ستمضى بخطى أكثر تسارعا وأكثر تفاعلا مع قضايا الوطن فى تناغم وتلاحم تهيأت له الأجواء داخل مؤسسة الأهرام العريقة بإمكاناتها وكوادرها.

ربما يختلف الأمر بعض الشيء فى صحيفة الأخبار المسائي، حيث كشف نائب مدير تحرير بالمؤسسة – طلب عدم ذكر اسمه- ، أن كافة العاملين بالجريدة تفاجئوا بقرار التحول إلى الإصدار الإلكتروني، مشيرا إلى كان يجب إبلاغهم قبل تنفيذ القرار بوقت كافي لتهيئتهم وتدريبهم، وذكر أن 60 % من العاملين بالمؤسسة فوق سن الـ50 عامًا، ويصعب عليه التعامل باحترافية مع الوسائل التكنولوجية الحديثة، معربا فى الوقت ذاته عن تخوفهم من أن يتحولوا إلى آلات لضخ الأخبار على الموقع الإخباري.

وكانت صحيفة الأخبار المسائي، أعلنت قبل عدة أيام استعدادها لإطلاق موقعها الإلكتروني، وأوضحت الصحيفة أن موقعها الجديد يمثل نقلة نوعية متطورة وقفزة صحفية عملاقة لمواكبة التطور التكنولوجي في مختلف دول العالم، الأمر الذي ينعكس بالإيجاب على العمل الصحفي في المؤسسات الصحفية، كما أشارت إلى أن الموقع الجديد تلقى تسهيلات غير مسبوقة من الهيئة الوطنية للصحافة تمثلت في تجهيز أدوات العمل الصحفي وتطوير المقر وتوفير أجهزة الكمبيوتر اللازمة بالتعاون مع وزارة الاتصالات، وعقد دورات تدريبية مكثفة للصحفيين بالجريدة.

وبعد إثارة قضية تحول الإصدارات المسائية المطبوعة إلى إصدارات إلكترونية واستعراض كافة أوجه النظر حولها، يرى المرصد المصري للصحافة والإعلام، إنه لا يوجد ما يدعو للقلق من تحول الصحف الورقية إلى إلكترونية لأن هذا توجه عالمي وليس محليا، ففى عام 2016 أوقفت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية التي تأسست قبل نحو 300 عام إصدارها الورقي واكتفت بإصدار رقمي بعد انخفاض نسبة التوزيع. وفي أمريكا تحولت صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” إلى إلكترونية، ولحقت بها “نيوزويك”، وفي إسبانيا تحولت “الباييس” إلى النسخ الإلكترونية، وعربيا تحولت صحيفة “السفير اللبنانية” فى نهاية ديسمبر عام 2016، إلى نسخة إلكترونية، وفي مصر أوقفت صحيفة البديل عددها الورقى واكتفت بموقعها الالكتروني، كما أوقفت جريدة “التحرير” عددها الورقى واكتفت بموقعها الإلكتروني قبل أن يتم إغلاقه هو الآخر، فيما أوقفت جريدة “المصريون” عددها اليومى وأصبحت أسبوعية بموقع الكتروني.

واتساقًا مع توجه المؤسسات الصحفية نحو الفضاء الإلكتروني، فقد حان الوقت لتعديل قانون نقابة الصحفيين، وإضافة مواد خاصة بالصحفيين الإلكترونيين، لتسهيل عملية ضمهم للنقابة مع وضع ضوابط محددة لهم مثل الصحف الورقية، وعدم اشتراط أن يكون للموقع الإخباري أصل ورقي، والاكتفاء بأن يكون الموقع شركة لها هيكل مالى وإدارى، وأن يكون الهيكل التحريرى من المعينين أعضاء النقابة.

كذلك يجب أن يدرك العاملون فى المجال الصحفي جيدًا أن السرد الرقمي لم يعد نوعا من التطور الذي يعكس مواكبة وسائل الإعلام والصحفيين لكل ما هو جديد، بل أصبح من ضرورات البقاء والحفاظ على الجمهور والوصول إليه بسرعة وسهولة تامة، ولذلك على كل صحفي ناجح أن يعمل على تطوير مهاراته، لتطويع الأدوات الرقمية لإخراج منتج صحفي يحوي وسائط متعددة من نص وفيديو وصورة وصوت، وفق سيناريو مدروس يوصل المعلومة بشكل تفاعلي إلى المتلقي.

وفى النهاية يجب على الصحف الورقية فى مصر القومية والخاصة تطوير المحتوى والحصول على هامش حرية يسمح لها بإنتاج محتوى يجذب القارئ عبر نشر تحليلات ودراسات ومقالات رأي، وأن تخاطب المواطن وليس السلطة إذا أرادت البقاء، ولن يتحقق هذا إلا إذا عملت على خلق قنوات تواصل مع المواطنين.